حسن بن موسى القادري
11
شرح حكم الشيخ الأكبر
ولمّا كان الشيخ خاتم الولاية الخاصة سمّي بالشيخ الأكبر ، وهو الكبريت الأحمر ، والدّر الأفخر له تأليفات عجيبة للعقول مدهشة . على الخصوص ( الفتوحات المكية ) فإنها أجمع لكلام القوم ، وكل من نظر إليها اعتمد عليها ، واطّلع على أسرار دقيقة ، وتعليلات صحيحة لم تكن عنده سواء كان من المجتهدين ، أو المفسرين ، أو المحدثين ، أو اللغويين ، أو المقرئين ، أو المعبرين ، أو النحويين ، أو المنطقيين ، أو الصوفيين ، أو كان عالما بالطب ، أو بالطبيعة ، أو بالهندسة ، أو بالوفق والحروف ، وغير ذلك من العلوم الغريبة كالعلم بحضرات الأسماء الإلهية ، وقد أشار الشيخ عبد الوهاب الشعراني قدّس روحه إلى نحو ثلاثة آلاف علم منها في كتابه المسمّى : « بتنبيه الأغبياء على قطرة من بحر علوم الأولياء » . وأمّا ( فصوص الحكم ) ، فهو كتاب مشتمل على بيان خلاصة الحكم المنزلة على قلوب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وهو من العجائب حيث فاض بجملة ما فيه من الحكم ، والأسرار دفعة واحدة من قلب النبي صلى اللّه عليه وسلم الأنور ، وروحه الأطهر على قلب الشّيخ الأكبر رضي اللّه عنه ، وعليه شروح الأفاضل الكمّل مثل داود القيصري ، ومؤيد الدين الجندي ، والأمير السيد علي الهمداني ، ومولانا عبد الرزاق الكاشاني ، وعبد الرحمن الجامي قدّس اللّه أسرارهم . وأمّا ( الحكم الإلهية ) فمن أجلّ الكتب ، وأنفعها للمريد الصادق السالك في طريق أهل اللّه مشتمل على اللطائف ، والزّرائف ، ومنطوي على المسائل التوحيدية ، والأحكام العرفانية الوهبية ، عباراته لائقة ، وإشاراته فائقة ، كلّ كلمة منه كالبدور وبها تنشرح الصدور ، وكلماته وإن كانت متفرقة في الظاهر مرتبطة في الحقيقة من الأول إلى الآخر . مع أن الشيخ رضي اللّه عنه قال في « الفتوحات المكية » في الباب الثاني ما حاصله : على أن قلوب العارفين عالقة على باب الحضرة ، مراقبة لما يبرز منها فمهما برز لها أمر بادرت لامتثاله ، وألفته على حسب ما حدّ لها فقد تلقى الشيء إلى ما ليس من جنسه امتثالا لأمره تعالى . وقال في الباب السابع والأربعين منها : « اعلم أن علومنا وعلوم أصحابنا ليست من طريق الفكر ، وإنما هي من الفيض الإلهي » .