حسن بن موسى القادري

109

شرح حكم الشيخ الأكبر

والمراد بالوصول : معرفة اللّه تعالى على وجه يقتضي القيام بحقوقه ، والوقوف عند حدّ أمره ونهيه بأن يصل القلب إلى العلم بجلاله وعظمته بحيث يباشر حقيقة القلب ، ويسري معناه إلى جميع الجوارح والبدن على حكم العلم بلا توقف ولا اختيار ، والناس في هذا المقام متفقون في أصل الحقيقة ، ومتفاوتون في المراتب ، فمنهم من وصل إلى صفوة اليقين ذوقا ووجدانا ، ومنهم من فنى في أفعاله وأفعال غيره فخرج عن التدبير والاختيار فوجد اللّه بطريق الأفعال ، فلا يرى فعلا إلا فعل اللّه تعالى ، ومنهم من وجده تعالى بطريق الصفات فلا يرى إلا صفاته ، ومنهم من يجده بطريق الأسماء فلا يرى اسما إلا اسم اللّه ، ومنهم من يجده بطريق الذات فلا يرى إلا ذاته وهو أعلى مراتب الوصول ، ولكن لهذه المرتبة مقامات وحضرات لا تتناهى . وليس المراد بالوصول البلوغ والاتّصال ؛ لأنه تعالى جلّ أن يبلغه شيئا ، أو يبلغ إلى شيء ، أو يتصل بشيء أو يتصل به شيء ؛ لأن ما ذكر كلها نسب ومسافات وعلل وإضافات هي من سمات المحدثات ، والحق تعالى منزه عنها غاية التّنزيه . قال سيد الطائفتين « 1 » : متى يتصل من لا شبيه له ولا نظير بمن له شبيه ، ونظير هيهات

--> ( 1 ) هو سيد الطائفتين ومفتي الفريقين وإمامهم وتاجهم وطاووس العباد وقطب العلم والعلماء : أبو القاسم الجنيد بن محمد ابن الجنيد الخراز القواريري قدس اللّه روحه ونوّر ضريحه وكان أبوه يبيع الزجاج ، فلذلك كان يقال له : القواريري ، وكان هو خرازا . لقبه الأستاذ أبو القاسم القشيري قدّس اللّه روحه في رسالته بسيد الطائفة وإمامهم ، ولقّبه جماعة من الشيوخ بتاج العارفين في حكاية . وقال الشيخ الفرغاني : كان الجنيد وأبو الحسين النوري يسميان ببغداد طاووسا العباد . وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمه اللّه : كان الجنيد قطبا في العلم ، أصله من نهاوند وهي مدينة من الجبل قيل : إن نوحا عليه السلام بناها ، ومولده ومنشأه بالعراق ، وكان شيخ وقته ، وفريد عصره ، ومن كبار أئمة القوم وسادتهم ، ومقبول على جميع الآل ، وكلامه في الحقائق مشهور . تفقّه على أبي ثور صاحب الإمام الشافعي ، وكان يفتي في حلقته ، وقيل : بل كان فقيها على مذهب سفيان الثوري . وصحب قدس اللّه روحه خاله أبا الحسن سري السقطي ، والحارث المحاسبي -