الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

93

شرح ديوان ابن الفارض

صرف وإنما تحققها بظهور الأمر فيها كظهور النور في الظلمة . والرشأ هنا كناية عن مقدار ما يظهر للمحب الإلهي في تجلي محبوبه الحق المطلق عليه من معاني الجلال والجمال والكمال فإن المخلوق لا يقدر أن يدرك من الحق تعالى إلا مقدار استعداده وكما أن الرشأ مسكنه الفلوات والصحارى البعيدة عن العمران والقرى والبلدان مساكن الإنسان كذلك هذه الحضرة المكنى عنها بالرشأ لا تظهر إلا بعد الخروج عن عوالم الصور الجسمانية والمعنوية وعمران قيود الشهوات واللذائذ الجسمانية والروحانية ولهذا قال بإتلاف روحي ، يعني فضلا عن جسمي . وقوله بالأرواح ممتزج امتزاجه بالأرواح كناية عن كون كل شيء مصوّرا بتجلي اسمه المصوّر . اه . من مات فيه غراما عاش مرتقيا ما بين أهل الهوى في أرفع الدّرج [ الاعراب والمعنى ] « من » هنا شرطية . و « مات » فعل الشرط . و « فيه » متعلق به . و « غراما » مفعول لأجله . و « عاش » جواب الشرط وفاعله ضمير غيبة مستتر تقديره هو . و « مرتقيا » حال منه . و « ما » زائدة . و « بين » ظرف مكان متعلق بمرتقيا . وكذلك في « أرفع الدرج » وفيه الإغراب لأنه جعل من مات عاش وذلك إن قتلى المحبة أحياء لأنهم لا يموتون لأنهم شهداء قال صلى اللّه عليه وسلم فيما رواه ابن عباس « من عشق وكتم وعف ومات مات شهيدا » . وقد تقدم أن شهادة العشاق من قبيل شهادة الآخرة . ( والمعنى ) : قوله من مات ، أي في محبة ذلك الرشأ المذكور في البيت قبله . والمعنيّ بالموت في محبته الموت الاختياري بفناء الإنسانية النفسانية والتحقق بوفاء العهود الربانية والموت الاختياري المذكور هو الموت الاضطراري المشهور . قال تعالى : لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى [ الدّخان : الآية 56 ] . ولهذا كان شهداء المحبة الذين قتلوا بسيوف المجاهدة الشرعية التي قال تعالى فيها : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [ العنكبوت : الآية 69 ] أي الطريق الموصلة إلى التحقق بنا قال تعالى : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ( 169 ) [ آل عمران : الآية 169 ] وفي الحديث موتوا قبل أن تموتوا ، يعني موتوا اختيارا قبل أن تموتوا اضطرارا . اه . محجّب لو سرى في مثل طرّته أغنته غرّته الغرّا عن السّرج [ الاعراب والمعنى ] يجوز في « محجب » الجر على الاتباع لرشأ أي رشأ محجب والرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي هو محجب والنصب على المدح أي أمدح محجبا لو سرى في ليل مثل طرته أي طرة شعره الفاحم لأغنته غرته البيضاء عن الاستضاءة بالسرج