الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

62

شرح ديوان ابن الفارض

يا عاذل المشتاق جهلا بالّذي يلقى مليّا لا بلغت نجاحا [ الاعراب والمعنى ] قوله « يا عاذل المشتاق » منادى مضاف . وقوله « جهلا » منصوب على المصدرية لكن بتقدير مضاف أي عذل جهل أو على الحالية أي يا عاذل المشتاق حال كونك جاهلا بالذي يلقي مليّا اعلم أن لفظ « مليّ » له معنيان ذكرهما المفسرون . في قوله تعالى : وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا [ مريم : الآية 46 ] قال البيضاوي زمانا طويلا أو مليّا بالذهاب عني والأقرب أن يكون في البيت قيدا للمشتاق أي يا من يعذل المشتاق مطيقا وقادرا بالذي يلقى ولذلك كان العدل جهلا لأن المعدول إذا كان قادرا على غرامه فما معنى إطالة ملامه ويجوز وجه ثان وهو أن يكون قوله بالذي يلقى قيد القول جهلا أي تعذل المشتاق حال كونك جاهلا بالذي يلقاه المشتاق ويكون قوله مليّا بمعنى الزمان الطويل أي يا من يعذل المشتاق في زمان طويل ودهر مديد . قوله « لا بلغت نجاحا » « التاء » في بلغت مفتوحة للمخاطب وهو العاذل والجملة دعائية يدعو على العاذل بأن اللّه تعالى لا يوصله إلى النجاح ولا يبلغه الفلاح . أتعبت نفسك في نصيحة من يرى أن لا يرى الإقبال والإفلاحا [ الاعراب والمعنى ] الخطاب في « أتعبت نفسك » للعاذل يقول له عذلت وتعبت في نصيحة رجل رأيه أن لا يرى الإقبال ولا الإفلاح فمن كان رأيه أن لا يريد الإقبال ولا الإفلاح فكيف تنفع فيه نصيحة النصاح فيرى الأول من الرأي بمعنى الاعتقاد أي بمعنى المذهب يقال رأي الشافعي كذا ، ويرى المنفي في قوله « أن لا يرى » من الرؤية البصرية وفي الحقيقة الرجل الذي مذهبه أن لا يرى إقبالا لنفسه ولا إفلاحا نصيحته في ذلك تعب لا تفيد وناصحه لا يفيد ولا يستفيد . وما ألطف قوله « من يرى أن لا يرى » و « الإقبال » و « الإفلاح » مصدران من باب الإفعال وبين يرى ويرى في البيت الجناس التام . ( ن ) : عدم رؤيته الإقبال والإفلاح لاشتغاله بما هو أعلى من ذلك من شهود تجليات ربه في باطنه وفي ظاهره بحيث لم يبق عنده ما يغاير ربه من كل شيء . اه . أقصر عدمتك واطّرح من أثخنت أخشاءه النّجل العيون جراحا [ الاعراب والمعنى ] « أقصر » فعل أمر على وزن أكرم أي انته أيها العاذل . قوله « عدمتك » جملة دعائية يدعو بها على العاذل بأنه يعدمه أي يرى عدمه وزواله وهي معترضة بين المعطوف وهو « اطرح » والمعطوف عليه وهو أقصر ومعنى اطرح ارم وأبعد عنك رجلا عاشقا وصل في المحبة إلى أن العيون النجل أي الواسعة جمع نجلاء قد أثخنت أحشاءه جراحا يقال أثخن في العدو أي بالغ في الجراحة فيهم .