الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
49
شرح ديوان ابن الفارض
التقادير العدمية . وقوله وماؤه ، أي ماء الحجاز كناية عن صفة الحياة الإلهية السارية بلا سريان في كل شيء محسوس أو معقول ، كما قال تعالى : وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [ الأنبياء : الآية 30 ] أي من جهة كونه موصوفا بالحياة جعل من الماء . وقوله وفي ثراه ثرائي ، يعني في ثرى الحجاز استغناء عن كل شيء أي في نداه الذي ينزل على أرضه كناية عن مدد الإلهام الذي ينزل من سماء الغيب على النفوس البشرية ، وقوله وشعابه لي جنة ، كنى بشعاب الحجاز عن الطرق الموصلة إلى معرفة الحق تعالى من الصبر والشكر والزهد والورع والقناعة والتوكل والتقوى إلى غير ذلك وأخبر بأنها عنده جنة يتنعم بها . وقوله وقبابه لي جنة ، كنى بالقباب عن صور التجليات الإلهية الإنسانية المعتكفة في حرم المشاهدة الربانية وكونه يستتر بها أي يتوقى بحفظها له من مهالك الدنيا والآخرة . وقوله وعلى صفاه ، أي صفا الحجاز وهو موضع بمكة كناية عن قلب القطب الجامع والسر النوراني اللامع . وقوله صفائي ، أي خلوصي من أكدار الأغيار وغبار الآثار . اه . حيّا الحيا تلك المنازل والرّبا وسقى الوليّ مواطن الآلاء وسقى المشاعر والمحصب من منى سحّا وجماد مواقف الأنضاء ورعى الإله بها أصيحابي الألى سامرتهم بمجامع الأهواء ورعى ليالي الخيف ما كانت سوى حلم مضى مع يقظة الإغفاء [ الاعراب والمعنى ] « حيا » فعل ماض من التحية . و « الحيا » المطر . و « الربا » بضم الراء جمع ربوة وهي مثلثة الراء أعلى الشيء ومنه المثل بلغ السيل الربا على رواية ضعيفة والأصح أنها الزبى بالزاي جمع زبية وهي حفيرة للأسد ولا تكون إلا في رؤوس الجبال وهو مثل يضرب لتجاوز الأمر حدّه . قوله « وسقى » ماض من السقاية و « الوليّ » المطر الثاني الذي يلي الوسمي . و « المواطن » جمع موطن وهو مكان الإقامة ويقال مواطن مكة أي مواقفها . و « الآلاء » « 1 » النعم واحدها إلى وإلى . و « المشاعر » جمع مشعر وهي معظم مناسك الحج وعلاماته والمشعر الحرام وقد تكسر ميمه المزدلفة . فإن قلت : قول الشيخ رضي اللّه عنه « وسقى المشاعر والمحصب من منى » يقتضي أن تكون أماكن . وما نقلته من أنها عبارة عن معظم مناسك الحج يقتضي أنها أمور مشروعة معنوية فكيف يدعي لها بالسقيا . قلت : يجوز أن يكون المشاعر في كلامه رضي اللّه عنه عبارة عن المشعر الحرام وجمعه باعتبار أن كل قطعة منه مشعر على ما قيل غزات .
--> ( 1 ) قوله : واحدها الخ . فيه قصور ففي القاموس واحدها إلى وألو وإلى وإلى وإلى . اه .