الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

48

شرح ديوان ابن الفارض

التدوير . « لي جنة » بضم الجيم بمعنى الترس . وقوله « وعلى صفاه » يريد جبل الصفا الذي منه إلى المروة السعي . و « صفائي » أي صفاء معيشتي وصفاء خاطري يريد أن صفاءه على جبل الصفا لكونه هناك . لأن الهاء في صفاه راجعة إلى الحجاز كالضمائر في الأبيات المذكورة والاستفهام مقيد بالجمل الواقعة في الأبيات أي هل يليق أن أطرد عن الورود العذب بأرض الحجاز والحال أن بقاء وجودي في نقاه وأن ربوعه أربي وربيعه طربي وصارف شدّتي وجباله مربعي ورماله مرتعي وظلاله أفيائي التي بها أتوقى حرّ الشمس . وبقية الجمل في الأبيات كذلك فكأنه يقول جميع مطالبي وكل مآربي في بلاد الحجاز فكيف أطرد عنها وأمنع منها . وما ألطف هذه الأبيات وما فيها من محاسن البديع في أأذاد وأحاد . وفي النقا والبقا وربوعه وربيعه وأربي وطربي وجباله ورماله ومربعي ومرتعي وترابه ندي وماؤه وردي ندّي الذكي ووردي الروي وثرائي في ثراه وشعابه وقبابه جنتي وجنتي وصفائي في صفاه . ( ن ) : كنى بعذب الورود عن ماء زمزم والأسرار الإلهية والعلوم الربانية التي يفتح بها على بيت القلب الصادق وحرم العقل الموافق . وكنى بالنقا المضاف إلى ضمير الحجاز عن المقام المحمدي الجامع فإن العلوم والأسرار فيه متبينة غير ملتبسة ولا متداخلة فأشبهت الكثيب من الرمل ولم يجعله تلا من تراب لذلك . وكنى بربوع الحجاز عن أهل المراقبة والمشاهدة لدوام معاينتهم بيت ربهم في عباداتهم يعني هم مقصوده ومراده لدوام ترقيه بصحبتهم ولقائهم وكنى بربيع الحجاز عن التجليات الإلهية والتوليات الربانية من المشرب المحمدي والمشهد الأحمدي . والمعنى : أن الربيع المذكور طرب وسرور له ومزيل عنه شدّة كل شدّة . قال تعالى إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [ الحجّ : الآية 38 ] وكنى بجبال الحجاز عن مقامات القرب الإلهي التي يرسخ فيها العبد فلا يزول عنها . وقوله ورماله ، أي الحجاز كناية عن العلوم الربانية . وقوله لي مرتع ، أي استفادة الأحوال الشريفة من تلك العلوم الربانية . وقوله وظلاله ، أي الحجاز أفيائي يكني بالظلال عن الأحوال التي تغلب على القلب من شدّة ظهور الحق له في تجليه عليه . ويكني بالأفياء عن رجوع تلك الأحوال إليه المرة بعد المرة حتى تصير مقامات له ثابتة فيه بحيث يملكها وقد كانت تملكه . وقوله وترابه ، أي الحجاز ندّي الذكي يعني العلوم الكونية المستفادة من الحضرة الاسمائية الإلهية وجعلها ترابا لأنها ملتبسة . وأضاف الندّ إلى نفسه لأنه هو الذي يشم من تلك العلوم الكونية روائح الحق تعالى دون غيره . ووصفه بشدة الرائحة لأن العلوم الكونية والمعلومات العينية عند غيره أغيار وعنده تجليات آلهية في صورة