الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

44

شرح ديوان ابن الفارض

عمري ولو قلبت بطاح مسيله قلبا لقلبي الرّيّ بالحصباء [ الاعراب والمعنى ] اعلم أن هذا البيت قد اختلفت فيه الرواة على أساليب مختلفة وطرق غير مؤتلفة وما ذاك إلا أن ديوان الأستاذ رضي اللّه عنه لم ينقل من خطه ولا رواه أحد بالسلسلة عن ضبطه . وقد أطلت البحث فيما يتعلق بتصحيح لفظه وتحقيق معناه فلم أجد ما يشفي العليل ولا ما يروي الغليل غير أن أقرب ما يقال فيه ما أذكره لك الآن بعون الملك المنان . فأقول « عمري » بفتح العين بمعنى حياتي والمراد القسم بها وهو مبتدأ خبره محذوف وجوبا أي قسمي . و « لو قلبت بطاح مسيلة » قلبت مجهول من قلبه إذا حوله عن وجهه . و « البطاح » جمع الأبطح وهو مسيل واسع فيه دقاق الحصا . و « الهاء » في « مسيله » راجعة للحرم المريع . ( ن ) : الهاء في مسيله راجع إلى أجياد في البيت قبله . اه . قوله قلبا : بضم القاف واللام وبسكون اللام أيضا جمع قليب وهي البئر أو العادية القديمة منها . والري : بكسر الراء وبفتحها . قال في القاموس روي من الماء واللبن كرضى ريا وريا وروّى وتروّى وارتوى بمعنى والاسم الري بالكسر والحصباء الحصى . الإعراب : عمري : مبتدأ وخبره محذوف كما سبق . لقلبي : جار ومجرور خبره مقدم . والري : مبتدأ مؤخر . وبالحصباء : متعلق بالري أي يرتوي بالحصباء ولو قلبت بطاح مسيله قلبا . والواو في ولو : اعتراضية ولو وصلية لا تحتاج إلى جواب لأن المراد منها مجرد التوكيد إذ المراد ادعاء ارتواء قلبه من عطشه بالحصباء الموجودة في ذلك الحرم الشريف لشدة ميله إليه وإلى من فيه من ساكنيه وإن انقلب بطاح مسيله قلبا . وإيضاح ذلك أن البطاح مجاري الماء ومنها يشرب أهل تلك الديار فلو فرض أنها قلبت عن صفة المجرى إلى أن تكون آبارا عادية يتعسر الشرب منها لبعد الوصول إليها فإن قلبي يرتوي بحصباء هاتيك المواضع الشريفة والمواطن المنيفة . هذا غاية ما تيسر لي في بيان البيت المذكور وعندي فيه إلى الآن شبهة لم ينثلج معها الصدر . وفي البيت المجانسة بين قلبت وقلب وقلبي والجناس الناقص بين عمري وري فتأمل ولعل اللّه تبارك وتعالى يفتح بعد ذلك بابا يظهر به حقيقة المرام والسلام . ( ن ) : ارتواؤه بالحصباء لأن عطشه ليس عطشا طبيعيا يزول عنه فيرتوي بشرب الماء وإنما عطشه عطش شوق وحب وعشق فيزول برؤية الحصباء وأثر ذلك المسيل . اه .