الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
359
شرح ديوان ابن الفارض
وقد رماني هواكم في الغرام إلى مقام حبّ شريف شامخ سامي جهلت أهلي فيه أهل نسبته وهم أعزّ أخلّائي وألزامي قضيت فيه إلى حين انقضا أجلي شهري ودهري وساعاتي وأعوامي [ المعنى ] « وقد رماني » أي : ألقاني . وقوله « هواكم » أي محبتكم ، والخطاب للأحبة ، وهم تجليات الوجود الحق في الصور الجميلة حسا ومعنى . وقوله « في الغرام » وهو العشق اللازم والشوق الملازم . وقوله « إلى مقام حب شريف » أي له الشرف في الدارين . وقوله « شامخ » أي مرتفع . وقوله « سامي » من سما يسمو سموا علا ، وهي أوصاف مترادفة للحب الشريف ، وهو المحبة الإلهية التي لا تحصل للعبد السالك في طريق اللّه تعالى إلا بعد فنائه بالكلية . وقوله « جهلت أهلي » أي قومي ومن أنا أعرفهم من رفقتي وعشيرتي . وقوله « فيه » أي في ذلك الحب المذكور من كمال اشتغالي به واستغراقي في معاناة أحواله . ثم قال « أهل نسبته » بدل من أهلي بدل كل من كل وهم المنتسبون إليه أي إلى الحب المذكور . وقوله « وهم » الواو للحال ، والجملة حال من أهلي ، والعامل فيه جهلت . وقوله « أعز أخلائي » جميع خليل ، وهو الصديق يعني لهم العزة عندي من جميع أهل خلتي أي صداقتي . وقوله « وألزامي » معطوف على أخلائي كأنه جمع لزام أي ملازم . وقوله « قضيت » أي أذهبت وأمضيت . وقوله « فيه » أي في ذاك الحبّ المذكور . وقوله « إلى حين انقضا » بالقصر لضرورة الوزن . وقوله « أجلي » أي موتي . وقوله « شهري » مفعول قضيت . وقوله « ودهري » أي زماني الذي أنا فيه . وقوله « وساعاتي » جمع ساعة . وقوله « وأعوامي » جمع عام وهو الحول والسنة ، على معنى أنه قطع أوقاته كلها في هذا الحب المذكور إلى أن انقضى أجله ، وهذا مما يؤيد أن صاحب هذا الكلام قاله على لسان الشيخ عمر قدس اللّه سرهما فإن قوله إلى حين انقضاء أجلي لا يناسب أن يكون من كلامه نفسه ولا من كلام الناظم لأنه حين القول كان حيّا . اه . ظنّ العذول بأنّ العذل يوقفني نام العذول وشوقي زائد نامي [ المعنى ] « ظن العذول » أي اللائم الذي يلومني على المحبة . وقوله « بأن العذل » أي اللوم الصادر منه لي . وقوله « يوقفني » أي عن السير في طريق المحبة الإلهية فلا أسلك فيه إلى منتهاه ، وأنقطع عن طلب المحبوب بسبب لومه لي وتعنيفه على المحبة . وقوله « نام العذول » أي غفل ولم ينتبه لأحوالي . وقوله « وشوقي » أي نزوع قلبي في كل وقت إلى الحبيب . وقوله « زائد » أي كثير . وقوله « نامي » أي كثير أيضا يعني أن شوقه إلى الأحبة المذكورين لا يزال في زيادة وبدؤه في إعادة . اه .