الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

358

شرح ديوان ابن الفارض

الباء فعل ماض مبني للمفعول . وقوله « في الحب » بالضم أي المحبة الإلهية . وقوله « أعلامي » جمع علم وهو سيد القوم ، والمعنى أن الابتلاء بالمحبة الإلهية كان في مشايخي وساداتي من قبلي وأنا اقتفيت أثرهم واقتديت بهم . وسرت فيه ولم أبرح بدولته حتّى وجدت ملوك العشق خدّامي [ المعنى ] « وسرت فيه » أي في الحبّ الإلهيّ والسير قطع مسافات الدنيا ، وتنقل أحوالها إلى منتهى الأجل مصاحبا للحب المذكور اقتداء بمن قبلي من الأعلام ومتابعة لمشايخي في هذا المقام . وقوله « ولم أبرح بدولته » أي الحب يعني مصاحبا لها ، والدولة انقلاب الزمان والعقبة في المال . وقوله « حتى وجدت ملوك » جمع ملك بكسر اللام وهو السلطان . وقوله « العشق » أي المحبة الإلهية وهم أولياء عصره من المحبين الإلهيين . وقوله « خدامي » جمع خادم بمعنى رعاياه الذين يخدمونه بمعونتهم له بأحوالهم وأقوالهم في نصرة الحق على الباطل . اه . ولم أزل منذ أخذ العهد في قدمي لكعبة الحسن تجريدي وإحرامي [ المعنى ] « ولم أزل » أي مستمرا على حالي المذكور ، وقوله « منذ » اسم مبني على الضم ، أو حرف جر بمعنى من إن كان الزمان ماضيا ، وبمعنى في إن كان حاضرا ، وإن وليها اسم مرفوع فهي مبتدأ وما بعدها خبر . وقوله « أخذ » بالجر أو بالرفع . وقوله « العهد » أي عهد الربوبية قال تعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [ الأعراف : الآية 172 ] فالألف واللام في العهد للعهد . وقوله « في قدمي » بكسر القاف وفتح الدال المهملة من قدم خلاف حدث فهو قديم . وقوله « لكعبة الحسن » أي الجمال الإلهي ، وجعله كعبة باعتبار طواف قلوب العارفين حوله ودوران أبصارهم عليه . وقوله « تجريدي » يقال جردته من ثيابه بالتشديد نزعتها عنه ، وتجرد هو منها كما في المصباح ، وهو التجرد عن الطبيعة الجسمانية والأخلاق النفسانية والفناء عن الأغيار بالكلية . وقوله « وإحرامي » يقال أحرم الشخص دخل في حج أو عمرة ، ومعناه أدخل نفسه في شيء حرم عليه به ما كان حلالا له كذا في المصباح ، وكانت أحوال النفس ومقتضيات الطبيعة حلالا له مباحة الإتيان بها فلما دخل في طريق معرفة ربه لنيل كمال قرب ، وانكشف له جلية الحال ، وتحقق بفنائه في ظهور ربه وكمال الاضمحلال حرم عليه ما كان له حلال ، وكلف بما لم يكلف به غيره من الجهال قال تعالى : لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [ المائدة : الآية 48 ] . اه .