الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

347

شرح ديوان ابن الفارض

وإن قسمت لي أن أعيش متيّما فشوقي لها بين المحبّين شائع يقول نساء الحيّ أين دياره فقلت ديار العاشقين بلاقع فإن لم يكن لي في حماهنّ موضع فلي في حمى ليلى بليلى مواضع [ المعنى ] قوله « شائع » أي ظاهر ، وكون شوقه ظاهرا بين المحبين لأن غيرهم لا يعرفون شوق المحب إلى هذه المحبوبة المذكورة . والمعنى هنا « بنساء الحي » أصحاب النفوس من الغافلين المحجوبين ، وأراد « بدياره » صورة التي يتقلب فيها من حركات إلى سكون ومن سكون إلى حركات ، فإن كل صورة منها مسكن لقلبه ونفسه ، فهي داره التي يدور عليها وكونها « بلاقع » أي فانية مضمحلة . وقوله « فإن لم يكن لي » الخ . يعني إن لم يكن لي بين جماعة الغافلين الجاهلين بربهم مقام ومنزلة . « فلي في حمى » أي ملكوت المحبوبة المذكورة مقامات ، وذلك بها لا بنفسي ولا بعملي ولا باستحقاقي ، وإنما هو بمحض فضلها وإنعامها عليّ . هوى أمّ عمرو جدّد العمر في الهوى فها أنا فيه بعد أن ثبت يافع ولمّا تراضعنا بمهد ولائها سقتنا حميا الحبّ فيه مراضع وألقى علينا القرب منها محبّة فهل أنت يا عصر التّراضع راجع [ المعنى ] « أم عمرو » كناية عن أصل عمار الكون ، وهي الحقيقة الوجودية والمحبوبة الحقيقية . وقوله « تراضعنا » أي هو والمحبوبة المذكورة ، فهو يستفيد منها الوجود ، وهي مستفيدة منه ما علمت من صوره وأحواله في الحضرة الأزلية . وقوله « بمهد ولائها » كناية عن حضرة الأسماء الإلهية . و « المراضع » هنا كناية عن صور التجليات الإلهية والمظاهر الكونية الربانية . وقوله « علينا » أي عليّ وعلى المحبوبة المذكورة ، والمعنى « بالقرب منها » الانكشاف العلميّ الأزليّ فإنّ المعلوم وإن كان معدوم العين فإنه قريب من العالم به قربا غير قرب مسافة وإلا لكان المعدوم موجودا في الأزل وهو محال ، ولأقرب زمان وإلا لكان الأزل زمانا وليس كذلك . وما زلت مذ نيطت عليّ تمائمي أبايع سلطان الهوى وأتابع لقد عرفتني بالولا وعرفتها ولي ولها في النّشأتين مطالع [ المعنى ] « المبايعة لسلطان الهوى » هي المعاهدة والمعاقدة على الطاعة لأحكامه . وقوله « عرفتني بالولا » بفتح الواو أي بالملك والعبودية والنعمة والمحبة . « وعرفتها » بنظير ذلك . وقوله « في النشأتين » أي نشأة الدنيا ونشأة الآخرة . وقوله « مطالع » يعني أن الدنيا والآخرة بالنسبة إليّ وإليها سواء ، فإن لي ولها طلوعا وظهورا وانكشافا في الدنيا والآخرة .