الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
336
شرح ديوان ابن الفارض
بالأقوال والأفعال والأحوال . وقوله « وحكمي على الكل » أي كل من خلق اللّه من أهل الهوى وغيرهم . قال تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ( 107 ) [ الأنبياء : الآية 107 ] . وكلّ فتى يهوى فإنّي إمامه وإنّي بري من فتى سامع العذل [ المعنى ] « كل فتى » هو السخي الكريم . وقوله « يهوى » أي يحب بالمحبة الإلهية . وقوله « فإني إمامه » أي هو مقتد بي . قال تعالى له : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [ آل عمران : الآية 31 ] وقوله « وإني بريء » أي متبرىء . قوله « من فتى » أي ممن هو موصوف بالفتوة . وقوله « سامع العذل » أي اللوم على محبته الإلهية من الغافلين عن الحضرة الربانية . ولي في الهوى علم تجلّ صفاته ومن لم يفقّهه الهوى فهو في جهل [ المعنى ] « ولي » أي لا لغيري ممن هو ليس على طريقتي . وقوله « علم » تنكيره للتعظيم أي علم شريف إلهي ذوقي كشفي . وقوله « تجل صفاته » أي تعظم عن مدارك القاصرين وأفهام الجاهلين . وقوله « ومن لم يفقهه » أي يفهمه . وقوله « الهوى » أي الميل الرباني والحب الرحماني . وقوله « فهو في جهل » أي جاهل بربه محروم لذة قربه ، استولت على قلبه الغفلات وأسرته حين سترته الغفلات . ومن لم يكن في عزّة الحبّ تائها بحبّ الّذي يهوى فبشّره بالذّلّ [ المعنى ] « ومن لم يكن في عزة الحب » أي المحبة الإلهية . وقوله « تائها » أي مفتخرا بها . وقوله « بحب » أي بمحبة متعلق بتائها . وقوله « الذي يهوى » أي المحبوب الذي يحبه ، وهو المحبوب الحقيقي الظاهر وجهه في كل محبوب ، كما قال سبحانه : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : الآية 88 ] فشرط ظهور الوجه الإلهي هلاك الشيء وفناؤه فإن هلك الشيء وفني ظهر الوجه الإلهي ، فكان الحب إلهيا وإن بقي الشيء ولم يهلك ولم يفن فالحب كوني مجازي وهو لأرباب الغفلات المحجوبين بالأشياء عن وجه الذات والمحبة الإلهية تعطي العزة للمحب من عزة المحبوب الحق فلا ذل له أصلا كما أنّ المحبة الكونية تعطي الذلة بالخاصية للمحب من ذلة محبوبه ، ولهذا قال في حقه « فبشره بالذل » على طريقة التهكم كقوله تعالى : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [ آل عمران : الآية 21 ] . إذا جاد أقوام بمال رأيتهم يجودون بالأرواح منهم بلا بخل وإن أدّعوا سرّا رأيت صدورهم قبورا لأسرار تنزّه عن نقل وإن هدّدوا بالهجر ماتوا مخافة وإن أوعدوا بالقتل حنّوا إلى القتل لعمري هم العشّاق عندي حقيقة على الجدّ والباقون عندي على الهزل