الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
335
شرح ديوان ابن الفارض
( ن ) : قوله ما سلاها ، ما اسم استفهام ، معناها أي شيء . وسلا فعل ماض . قال في المصباح سلوت عنه سلوا صبرت . وقال أبو زيد السلو طيب نفس الألف عن ألفه . قال في القاموس سلاه وعنه كدعاه ورضيه نسيه . والمعنى : يا خليلي سلا نفسي أي شيء أوجب لها السلو والنسيان والصبر عن بلادها مصر إن توطنت غيرها من البلاد ، وسكنت في مدينة سواها من مدن العباد ، فإن حبّ الوطن من الإيمان ، وإليه حنين الركبان . اه . وقال قدس اللّه سرّه : نسخت بحبّي آية العشق من قبلي فأهل الهوى جندي وحكمي على الكلّ [ المعنى ] « نسخت » من النسخ . قال في القاموس نسخه كمنعه أزاله وغيره ، وأبطله وأقام شيئا مقامه . وقوله « بحبي » أي بمحبتي وعشقي للجمال الإلهي . والكلام هنا من الناظم عن الحقيقة المحمدية والنور الإلهي المتجلي بالحضرة الأحمدية ، لأنه لمحة من لمحات ذلك النور ، وقطرة من بحر ذلك العالم المقدور . وقد ورد في الحديث أن اللّه تعالى خلق الكائنات جميعها من نور محمد صلى اللّه عليه وسلم بعد أن خلق نوره من نوره ، فليس بعجيب أن يرجع الشيء إلى أصله ، ويتصل السهم بنصله . والاقتصار في النسخ على ذكر المحبة لأن المحبة مقامه صلى اللّه عليه وسلم لأنه حبيب اللّه ، أي محبوب اللّه ، فعيل بمعنى مفعول ، ويأتي أيضا بمعنى فاعل كرحيم بمعنى راحم ، والإشارة إلى ذلك بقوله تعالى : فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [ المائدة : الآية 54 ] وقوله « آية » مفعول نسخت ، والآية العلامة ، ومن القرآن كلام متصل إلى انقطاعه . وقوله « العشق » هو إفراط الحب ويكون في عفاف وغيرة ، أو عمى الحس عن إدراك عيوب المحبوب . أو مرض وسواسي يجلبه لنفسه بتسليط فكره على استحسان بعض الصور ، فإن مقام محمد صلى اللّه عليه وسلم مقام المحبة لا مقام العشق رد على المشركين لما قالوا إن محمدا عاشق ربه ، والوارد عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه محب لربه ومحبوب لا عاشق ، فقد نسخ عليه السلام آية العشق فهو باق على بشريته قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ [ الكهف : الآية 110 ] فلا فرق إلا بالوحي بجبريل وبالعصمة وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [ المائدة : الآية 67 ] يحفظك من رذائل أخلاقهم وما يصدر منهم . وقوله « من قبلي » فإنهم تفصيله وهو مجملهم ، هو الآخر الأوّل الذي عليه المعول . وقوله « فأهل » الفاء للتفريع على ما قبله . وقوله « الهوى » هو المحبة الإلهية في الورثة المحمدية . وقوله « جندي » بالضم وهو العسكر والأعوان لأنهم يقررون شرائعه ويوضحون ذرائعه فينصرونه