الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

334

شرح ديوان ابن الفارض

الوقت لأجل إلقاء أحجار الأساس ، ووضع لذلك علامة يعلم منها حصول الوقت لبقية الجماعة ممن ليس عند الرصد ، وذلك أجراس تصوّت عند تحريك الحبل فإذا سمعوا صوتها ألقوا أحجار الأساس فوقع طائر فوق حبل الأجراس وطار فتحرك الحبل وصوتت الأجراس فوضعوا أحجار الأساس لغير وقتها المرصود وزمانها المعهود ، فسميت القاهرة وقيل غير ذلك . « وفيها » أي مصر . « وطري » أي مرادي ومطلوبي . قوله « ولعيني مشتهاها مشتهاها » هذه العبارة لا تخلو عن إشكال من جهة المعنى والإعراب . والمطلوب منها هكذا ، ومشتهى مصر مشتهى عيني ، لأن في مصر مكانا يعرف بالمشتهى ، وهو من محاسنها . والذي خطر لي في إعرابها أن أقول ومشتهاها ، على أن الضمير عائد إلى مصر مبتدأ ولعيني بعده حال أي ومشتهى مصر مقابلا لعيني أو مزينا . « مشتهاها » أي مطلوبها . والضمير في مشتهى الأول راجع إلى مصر والضمير الثاني عائد إلى العين . وحاصله ومشتهى مصر مشتهى عيني . وفي طرابلس أيضا مكان يسمى تل المشتهى . ( ن ) : قوله ولعيني ، خبر مقدم . وقوله مشتهاها ، الأوّل مبتدأ ، والضمير للعين أي مشتهى عيني ، والخبر واجب التقديم هنا لعود الضمير إليه ، فلو تأخر لعاد الضمير إلى متأخر لفظا ورتبة ، وهو غير جائز . وهذا المشتهى الأوّل اسم مفعول مشتق من الشهوة ، وهو اشتياق النفس إلى الشيء . فالمشتهى اسم مفعول مضاف إلى ضمير الفاعل وهو ضمير العين . وقوله مشتهاها الثاني مرفوع بضمة مقدرة على الألف نائب فاعل مشتهى الأوّل وأصله منصوب على المفعولية . وهذا المشتهى الثاني اسم مكان في مصر مشهور ، وضمير مشتهاها الثاني راجع إلى مصر في المصراع الأوّل ، وهذا الإعراب هو الذي ينبغي أن يكون عليه المعول . والمعنى على هذا ولعيني يشتهي مشتهى مصر . اه . ولنفسي غيرها إن سكنت يا خليليّ سلاها ما سلاها [ المعنى ] هذا التركيب في غاية الإشكال ، ولكن المتبادر من اللفظ أن تكون اللام في لنفسي زائدة ، وتكون نفسي فاعلا لفعل محذوف يفسره الفعل الذي بعده إذ التقدير وإن سكنت نفسي غيرها ، أي غير مصر « فيا خليلي سلاها » أي سلا نفسي الذي سلاها ، أي أذابها حيث سكنت إلى غير مصر . واعلم أنه يقال سكن قلبي إلى فلان ، أي مال إليه قلبي ، ويجوز أن يكون المراد إن سكنت نفسي بلدة غير مصر فاسألا يا خليلي نفسي عن السبب الذي أذابها ، وما ذلك السبب إلا أنها سكنت غير وطنها المعهود ومالت إلى غير وردها المورود .