الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
332
شرح ديوان ابن الفارض
وقد نقل الفقهاء أن الطاعون غيره فلا تنافي بين أن يكون أحدهما من طعن الجن ويكون الآخر من فساد الهواء ، فإنه نقل عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح إنك قد أسكنت الناس في أرض موبئة فانقلهم إلى الجابية من بلاد حوران ، وبهذا ينحل أيضا الإشكال عن توجه بعض العلماء الأعلام من بلد الوباء إلى بلد آخر خوفا من فساد هوائه ، فإنه قد ورد في الحديث ما يكاد يكون صريحا في منع ذلك ، فيقال الممنوع فيما كان من طعن الجن ، والذي يجوز ما كان من الوباء وفساد طبيعة السنة ، وأيضا فإن الشهادة في الموت من طعن الجن لا من القسم الآخر . والشيخ كره الوباء ، ونقل أنه مكث بدمشق سبعة أيام وكرّ راجعا إلى مصر ، فلم يفرّ من الطاعون ، وإنما كان فراره من الوباء الذي هو مرض من الأمراض . وما ألطف الجناس التام في قوله وباها وقوله لولا وباها ، والتمام في الكلمة الأولى من حرف العطف . وفي تاه وباهى جناس التصحيف ، وفي قوله رباها ووباها . ورأيت في بعض كتب الفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة ، أنه لو أودع رجل رجلا غلاما ، وكان في بلدة ليست من بلاد الوباء ، فنقله إلى بلاد الوباء كدمشق وقسطنطينية فمات ، ضمن الغلام لأنه عرضه للموت . ( ن ) : قوله جنة من تاه ، يعني يليق لأهلها أن يفتخروا ويتكبروا لأنها جنة في معمور الدنيا . وقوله وباهى ، يعني أن الساكن بها يباهي الساكن في غيرها من البلاد فيغلبه بالحسن الذي لها ، ويعني بذلك أهلها من الأربعين الأبدال أصحاب المقامات الإلهية والمراتب العرفانية . قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الأبدال بالشام ، وهم أربعون رجلا كلما مات رجل أبدل اللّه مكانه رجلا يسقي بهم الغيث ، وينتصر بهم على الأعداء ، ويصرف عن أهل الشام بهم العذاب . رواه الإمام أحمد في مسنده عن عليّ كرّم اللّه وجهه . وقوله لولا وباها قال في الصحاح الوباء يمد ويقصر مرض عام ، وجلق الشأم مشهورة بهذا المرض ، فإنه إذا أصاب البعض أصاب الكل ، كالزكام في الشتاء ، والحميات في الصيف والربيع ، والسعال في الخريف ونحو ذلك . اه . قيل لي صف بردا كوثرها قلت غال برداها برداها [ المعنى ] « قيل » مبني للمجهول . و « صف » فعل أمر من الوصف . و « بردا » نهر كبير بدمشق ، وهو النهر الذي في وسط الميدان الأخضر ، ودمشق لا تنتفع منه بيوتها ، وإنما تنتفع به القرى الواقعة تحته من جانب الغوطة والمرج . واعلم « 1 » أنه يجوز في
--> ( 1 ) قوله : واعلم الخ . حق العبارة أن يقال واعلم أن بردا مفعول وكوثرها مضاف إليه مجرور -