الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
331
شرح ديوان ابن الفارض
عربية ، وأنها اسم لنفس دمشق أو اسم لنفس غوطتها أو لموضع فيها . وهي مبتدأ . و « جنة » خبرها . والخبر مضاف لمن . و « تاه » من التيه وهو الصلف والتكبر . قوله « وباهى » المباهاة بالشيء المفاخرة به . ومنه ( فإن اللّه يباهي بكم الأمم يوم القيامة ) فإن قلت : ما معنى دمشق جنة من تاه أما كونها جنة من باهى فمسلم لأن من سكن بها تفاخر بها وبمحاسنها على غيرها من البلاد ، لأن محاسنها عديدة ولطائفها فريدة . قلت : لأنها مسماة بأم الجبابرة وكانت دمشق مسكن الجبارين ، ولقد نقل ابن عبد ربه في كتابه المسمى بالعقد أن من سكن بدمشق مدة سنة ، فإنه يجد في مزاجه كبرا ، ويجوز في معناه وجه ثان ، وهو أن يكون المراد بقوله من تاه المليح الذي يتيه على العاشقين بقرينة ما بعده لأن المراد به من باهى بمحاسنها . وقد قال الشيخ رضي اللّه عنه : ته دلالا فأنت أهل لذاكا * وتحكم فالحسن قد أعطاكا وهذه الأبيات من الرمل المسدس ، وهو فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن وفيه من زحافات الشعر ما هو جائز قال « ورباها منيتي لولا وباها » . « الربا » جمع ربوة وهي مثلثة الراء ، وهي أعلى الشيء ، وإنما تمدح في الشعر لأن نبتها يكون ظاهرا ينظره كل أحد ، وأيضا فإن كل نبت يظهر للشمس كثيرا يعلو وينمو ويسمو ، والمراد بها الأماكن العالية التي تراد للنزهة ، وفي المثل وصل السيل الزبى يروى الزبى بالزاي ، وهو الأكثر ويروى الربا بالراء وهو قليل ، أما الأولى فالمراد منها جمع زبية ، وهي حفرة تحفر للأسد « 1 » وأما الثانية فقد علمتها وهذا مثل بضرب لوصول الشيء إلى غايته . فإن قلت : قد قال أبو تمام : لا تنكري عطل الكريم من الغنى * فالسيل حرب للمكان العالي فهذا دليل على أن المكان العالي لا يوجد فيه ماء فكيف يكون نبتها مقبولا يتنزه به . قلت : كثرة الماء كالسيل يضر بالنبات فلا يلزم من عدم وجود السيل في المكان العالي عدم وجود الماء الذي ينتفع به النبت فيصير به حسنا يتنزه به على أن الموضع العالي فيه للنبت فوائد منها الشمس ، ومنها لطف النسيم . والماء الذي يكون في المكان العالي فيه النفع وعدم الضرر بالتغريق . قوله « ورباها منيتي » أي رباها مطلوبي أي ما أطلبه وأريده . « لولا وباها » الوباء موت يحدث من تعفن الهواء وفساد الطبيعة ،
--> ( 1 ) قوله : تحفر للأسد أي في موضع عال كما في المصباح .