الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

329

شرح ديوان ابن الفارض

فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ [ الرّوم : الآية 42 ] وإذا قصدا النطق بالحق ولم يكن اللسان فصيحا بذلك فقد أمرهما بالصياح طلبا للنجاح واستغاثة بالملك الفتاح : حي على الفلاح حي على الفلاح . اه . وقال قدّس اللّه سرّه : عوّذت حبيّبي بربّ الطّور من آفة ما يجري من المقدور ما قلت حبيّبي من التّحقير بل يعذب اسم الشّيء بالتّصغير [ المعنى ] « عوذت » بتشديد الواو . وعذت بفلان واستعذت به ، أي لجأت إليه وأعذت غيري به وعوّذته بمعنى . وقوله « حبيبي » بالتصغير . وقوله « برب الطور » متعلق بعوّذت ، والطور الجبل وجبل قرب أيلة يضاف إليه سيناء وسينين ، والمعنى بذلك هنا طور سيناء وسينين ، وهو الذي كلم اللّه تعالى عليه موسى والإشارة بحبيبي بالتصغير إلى ما في قلبه من الصورة التي تجلى بها ربه عليه ، وهو ما له من المعتقدات . وقوله « من آفة » هي العاهة أو مرض مفسد لما أصابه . وقوله « ما يجري من المقدور » وهو ما يقدره اللّه تعالى على العبد ، والمعنى أنه عوّذ مظهر التجلي الرباني في خاطره النفساني برب موسى عليه السلام الذي ناجاه على طور سيناء ، وهو الذي ظهر له في صورة النار ، حتى قال تعالى : وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى ( 9 ) إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً ( 10 ) [ طه : الآيتان 9 ، 10 ] فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ [ طه : الآية 11 ] الآية . ومعلوم أنه وقع أولا في خاطر موسى عليه السلام صورة النار في الشجرة التي تجلّى عليه بها ربه تعالى وتقدس عن الصور كلها من حيث ما هو عليه سبحانه في ذاته وموسى يعلم التنزيه التام الرباني ، وقد علم بالتشبيه الرحماني وبهما يحصل الكمال الإنساني بالتحقيق العرفاني فعوّذ الناظم صورة التجلي عليه العقلية وتنزيهاته الإيمانية فإن التنزيه إيمانيّ والتشبيه عقليّ ، وذلك هو المراد الشرعي في جميع الأديان فإن الحق تعالى لا يحصره تنزيه ولا تشبيه لأنه تنزه عنهما فخاف الناظم على ما عنده من ذلك من المكر الإلهي به وكان تعويذه له بسر ما وقع لموسى على الطور ليتحقق ما عنده بوراثته في مقام الإيمان باللّه من شر ما يقدره تعالى بحكم قوله سبحانه : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشّورى : الآية 11 ] تنزيه وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ الشّورى : الآية 11 ] تشبيه . ثم استدرك ما أوهم له تعالى التحقير بالتصغير . فقال « ما قلت حبيبي » بالتصغير كناية عما عندي من المظهر المذكور . وقوله « من التحقير » فإنّ التصغير يظهر منه في ابتداء الأمر عند الفهم أنه للتحقير في الاسم المصغر إما في الجرم أو في القدر . وقوله « بل » للإضراب عن