الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
315
شرح ديوان ابن الفارض
بلا وفاء كالوعد الأوّل الذي أبدل بالهجر وهذا على طريقة المحبين مع المحبوبين . والمحبة تقتضي ذلك وإلا فإن الوعد من الحق تعالى : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ [ التّوبة : الآية 111 ] . اه . وقال رضي اللّه عنه : العاذل كالعاذر عندي يا قوم أهدى لي من أهواه في طيف اللّوم لا أعتبه إن لم يزر في حلمي فالسّمع يرى ما لا يرى طيف النّوم [ المعنى ] هذا دو بيت في غاية ما يكون من اللطافة لأنه جعل اللوم مصوّرا صورة الحبيب وجاعلا له بعد البعد في رتبة القريب . وقوله « في طيف اللوم » من إضافة المشبه به إلى المشبه . إذ المراد أهدى لي من أحبه ، وأهواه في لوم كالطيف أو في صورة تمثل الحبيب حاصلة في خيال اللوم . قوله « لا أعتبه » أي لا أعتب الطيف إن فقدت منه الزيارة في حلم النوم ، وعلل ذلك بقوله « فالسمع يرى » عند تكرار العاذل الكلام « ما لا يرى طيف النوم » وذلك لأن ما يراه طيف النوم مجرد خيال وبالأغلب يكون معكوسا ، ويكتسي من لباس الالتباس ملبوسا بخلاف ما يراه السمع فإنه صحيح . ومدلوله في ذكر الحبيب صريح . والرواية « يرى » بفتح الياء في الموضعين فعلى هذا يكون طيف النوم عبارة عن خيال النوم لا عن الخيال الطائف والشيخ يكرّر هذا المعنى في كلامه قال : فكأنّ عذلك عيس من أحببته * قدمت علي وكان سمعي ناظري وقال المتنبي : إن المعيد لنا المنام خياله * كانت إعادته خيال خياله وقال الشيخ رحمه اللّه : وأبيت سهرانا أمثل طيفه * للطرف كي ألقى خيال خياله وقال الصفي الحلي من قصيدة له وأجاد : ما ضر طيف خياله لو أنه * يحنو عليّ ولو بطيف خياله وقد يروى البيت : فالسمع يرى ما لا يرى طيف النوم ، بضم الياء وكسر الراء . أي يظهر السمع لنظر السامع ما لا يظهره النوم فيكون مضارعا من أراه يريه من باب الأفعال . وفي البيت التجنيس بين العاذل والعاذر وهو الجناس اللاحق . اه .