الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

313

شرح ديوان ابن الفارض

الرشا وكونه لا يفوز منه بنظرة ، لأنه إذا توجه ببصره أو بصيرته إليه كان ذلك التوجه حجابا بينه وبينه ولا يكون الأمر إلا كذلك ومع الحجاب لا تكون الرؤية ، ولا يمكن النظر وهذه حالة العبد المخلوق لا انفكاك له عنها حتى يفنى توجهه ، والمتوجه منه فإذا فني فلا ناظر ولا منظور . وقوله هيهات ينال راحة منه ، هيهات اسم فعل بمعنى بعد والضمير في منه للرشا المذكور وكونه لا ينال منه راحة أبدا بسبب الابتلاء من المحبة ، فإن المحبوب يبتلي محبه ويمتحنه بأنواع البلايا والمحن قال تعالى : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ [ الأنبياء : الآية 35 ] وقال تعالى : وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [ الأعراف : الآية 168 ] وقال صلى اللّه عليه وسلم أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل . اه وقال رضي اللّه عنه : كلّفت فؤادي فيه ما لم يسع حتّى يئست رأفته من جزعي ما زلت أقيم في هواه عذري حتّى رجع العاذل يهواه معي [ المعنى ] يقول تكلفت في حبه وألزمت فؤادي من محبته فوق طاقته وفوق وسعه ، فلما رأى تحملي وغاية تجملي ، قالت رأفته ونطقت رحمته ، هذا لا يجزع أبدا ولا يخاف سرمدا ، إذ لو كان عنده جزع لما كلف قلبه في المحبة ما لم يسع . وقوله « ما زلت » إلى آخره معناه لما نصحني العاذل ، وقامت علي العواذل ، أقمت عندهم أعذاري ، وأظهرت لهم في المحبة أسراري ، فرجع عاذله عاذرا بل صار لي في عشقي له ناصرا ، وأثر عنده كلامي في بيان أسباب المحبة ، ومحا عن قلبي في العشق ذنبه ، فرجع معي يهواه ورحم الفؤاد لشدة بلواه ، وهذا شأن من كان صادقا ، يجعل العذول له مصادقا . ( ن ) : قوله فيه الضمير للمحبوب الحقيقي وقوله ما لم يسع ، أي فؤادي يعني ما لم يكن في طاقته من المجاهدات الشرعية والرياضات المرضية ظاهرا وباطنا . وإنما قال كلفت بالتشديد لأن الحق تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها . وقد قال للنبي صلى اللّه عليه وسلم : ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى ( 2 ) [ طه : الآية 2 ] أي لتحمل نفسك ما لا طاقة لها من أعمال الطاعات والعبادات ، ولما قام النبي صلى اللّه عليه وسلم من الليل حتى تورّمت قدماه قيل له في ذلك فقال أفلا أكون عبدا شكورا . وقوله حتى يئست الخ . يعني أن رأفة هذا المحبوب بهذا المحب من شدّة ما كلف المحب نفسه به من الأتعاب في سبيل مرضاته حتى أن تلك الرأفة يئست من جزع المحب لكمال رضاه بما هو فيه من