الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
311
شرح ديوان ابن الفارض
وقد خرّجوا على مثل ذلك قوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ( 1 ) [ القدر : الآية 1 ] والهاء في قوله من رقتها يعود إلى الوجنة . وقوله « فانظر لحسن الأثر » المراد من الأثر الإحمرار الحاصل من النظر لأن العاشق إذا نظر إلى المعشوق أوجب نظره حمرة في خد المعشوق ، وهي المسماة بحمرة الخجل . وانظر : فعل أمر ، وهو يتعدى بنفسه ، لكنه قد يقال نظرت إلى زيد ، واللام هنا بمعنى إلى قوله « لم أجن » بكسر النون لتدل الكسرة على الياء المحذوفة من الجناية وهي التعدّي ، والمراد لم أجن على وجنة الحبيب بجرحها إلا لترى عيني ، أو لترى أنت أيها الناظر كيف ينشق القمر . وصورة انشقاق القمر هنا أن النظر إلى الخد اللطيف يجرحه فإذا جرحه فكأنه انشق القمر . قوله « وقد جنيت » من جنى الثمرة إذا قطفها ، فيقول ما تعدّيت بقطف ورد الخفر - والخفر بالتحريك الحياء - إلا لحكمة ، وهي أنك ترى صورة انشقاق القمر فتكون مصدّقا للمعجزة الصادرة منه . ورأيت في نسخة صحيحة إلا لأرى فيكون فاعل الفعل ضميرا عائدا للمتكلم . وفي البيت تلميح إلى معجزته صلى اللّه عليه وسلم . وقد كرّر الشعراء معنى المصراع الأول . قال شهاب الدين العزازي من قصيدة : خطرات النسيم تجرح خدي * ه ولمس الحرير يدمي بنانه وقد قلت من قصيدة : إذا شاهدت عيني لطافة خدّه * يكاد وحاشاه من اللحظ أن يدمى وفي البيت جناس شبه الاشتقاق في قوله لم أجن وقد جنيت . ( ن ) : قوله جرحت وجنته أي وجنة المحبوب الحقيقي ، وكنى بالوجنة هنا عما استولى عليه من التجلي الإلهي بغلبة ظهور اسم من الأسماء جامع لكل اسم فإن كل اسم من أسمائه تعالى جامع لكل اسم على حسب خصوص ذلك الاسم ، ومعنى الجرح في ذلك تقييد المطلق الحق تعالى المنزه في ذاته وصفاته وأسمائه عن مشابهة الأكوان بقيود الأكوان لضرورة الشهود والعيان في مقام العرفان . وقوله بالنظر قال في القاموس : النظر محركة الفكر في الشيء تقدره وتقيسه ، وهو المعني هنا في جناب المتجلي الحق . وقوله من رقتها ، أي الوجنة يعني من كمال لطافتها وشدة نزاهتها وبعدها عن كثافة الأكوان . قال تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( 103 ) [ الأنعام : الآية 103 ] أي لا تدركه الأبصار لأنه اللطيف ، وهو يدرك الأبصار لأنه الخبير . وقوله فانظر يعني يا أيها المريد السالك . وقوله لحسن الأثر ، أي الذي هو ظاهر من تقييد الإطلاق المذكور حيث اقتضاه جرح النظر الكوني