الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

306

شرح ديوان ابن الفارض

والمكنى به عنه ينفر من الناس بباطنه ، وقد ينفر بظاهره أيضا لشهود العارف نفسه ظاهرها وباطنها قائمة بأمر اللّه الذي هو كلمح بالبصر . وقوله سبحانك ما خلقت هذا عبثا . يشير إلى معنى قوله تعالى : رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ [ آل عمران : الآية 191 ] . اه . وقال رضي اللّه عنه : يا ليلة وصل صبحها لم يلح من أوّلها شربته في قدحي لمّا قصرت طالت وطابت بلقا بدر محني في حبّه من منحي [ المعنى ] اعلم أن من عادة العشاق أنهم يصفون ليلة وصلهم بالقصر وليلة هجرهم بالطول ، وهذه عادة لهم مستمرة على الدوام . والشيخ خالف العادة المذكورة في هذا البيت ، وذلك بتخييل أن الشراب يشبه بالشمس وبالصبح ، وأنه لما ملأ قدحه وشربه كان كمن شرب الصبح في قدحه ، فلذلك قال « صبحها لم يلح » وعلل ذلك بقوله « من أولها شربته في قدحي » . ثم إنه عدل إلى تحقيق ما عليه القوم فقال « لما قصرت طالت » أي لما قصرت في النظر طالت في النفع ، وفي المعنى بكثرة المحاسن فهي قصيرة في الخيال وطويلة في النوال . فلذلك قال « لما قصرت طالت وطابت بلقا بدر » ، اللقا مضاف إلى بدر . ووصف البدر بقوله « محني في حبه من منحي » . المحن جمع محنة بكسر الميم ، وهي البلية والعياذ باللّه تعالى . والمنح جمع منحة وهي العطية . والمحن مبتدأ ، وخبره من منحي . والجملة صفة بدر . وفي البيت الثاني الطباق بين قصرت وطالت ، والجناس اللاحق بين طالت وطابت ، وفيه الجناس المقلوب بين محني ومنحي . ( ن ) : قوله يا ليلة وصل كناية عن ليلة نشأة الأكوان جميعها عوالم السماوات وعوالم الأرض فإن الجميع نشأة واحدة ، وهي كلها ظلمة لفنائها في نور وجود الحق تعالى ، وكونها ليلة وصل لأن المحبوب الحقيقي معانق وممتزج بكل شيء منها معانقة وجود حق لعدم صرف ، وامتزاج موجود حقيقي لمعدوم حقيقي فلا معانقة ولا امتزاج لأن ذلك كله محال ، وهو أمر محقق عند العارف به حاصل من الأزل إلى الأبد غير أنه تعالى يقلب القلوب والأبصار لأنه مالكها ، فإذا شاء تجلى وانكشف لمن يشاء ، وإذا شاء استتر واحتجب عمن شاء . وكان الناظم قدس اللّه سره ممن شاء تعالى التجلي والانكشاف له كأمثاله من العارفين ، فلهذا قال يا ليلة وصل وهي ليلة القدر التي نزل فيها القرآن على نبينا صلى اللّه عليه وسلم بالوحي الجبرائيلي الذي كان ينزل على الأنبياء قبله