الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

307

شرح ديوان ابن الفارض

عليهم السلام . وقوله صبحها ، أي صبح تلك الليلة وهو نورها الذي يظهر فيها فيمحوها ويفني ظلمتها وهو نور وجود الحق تعالى من قوله سبحانه : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ النّور : الآية 35 ] وقوله لم يلح ، أي لم يظهر ولم ينكشف للكل فيشهدونه لأنه لا يظهر إلا يوم القيامة لجميع الخلق . وقوله من أولها ، أي من ابتداء خلق هذه الليلة المذكورة وأول تقديرها الأزلي في حضرة علم اللّه تعالى ، وتوجه إرادته الأزلية وحضرة كلامه القديم . وقوله شربته ، أي ذلك الصبح الذي هو نور الوجود الحق الذي من أسمائه هو ، كما قال تعالى : هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [ الحشر : الآية 22 ] الآية . وقال تعالى : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ( 1 ) [ الإخلاص : الآية 1 ] إلى غير ذلك والكناية بشربه أنه تعالى غيب محيط به ، كما قال تعالى : وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ ( 20 ) [ البروج : الآية 20 ] وأيضا الصبح من أسماء الخمرة . وفي الكلام الاستخدام ، وهو من أنواع البديع باستعمال الصبح في أحد معنييه ثم إرجاع الضمير إليه بالمعنى الآخر . وقوله في قدحي أي في صورتي المحيط بها تعالى من حيث ظاهرها وباطنها . قال تعالى : إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ [ فصلت : الآية 54 ] لا على معنى الحلول والاتحاد ، فإن ذلك محال عليه تعالى لفناء كل شيء بالنسبة إلى وجوده الحق وانعدام كل شيء بالنظر إليه تعالى ، كما قال سبحانه : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : الآية 88 ] وفي ذكر القدح مناسبة لقوله شربته يعني الخمر المسمى بالصبح ففي الكلام مناسبة الظاهر والباطن . وقوله لما قصرت ، أي ليلة الوصل وقصرها بالنسبة إلى وجدان المحب العاشق ، فإنه يجد الليلة الطويلة قصيرة لكثرة لذته بلقاء محبوبه ، فهي قصيرة جدا لأن نهايتها أن ترجع النفس واحدة والروح واحدة . قال تعالى : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ [ آل عمران : الآية 30 ] وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [ آل عمران : الآية 28 ] فنفسه نفسهم وهو رؤوف بهم وإليه مصيرهم . وما قلناه إنما يكون بعد فناء نفوسهم في نفسه وموتها في حياته على الكشف والشهود . وقال تعالى عن أبينا آدم فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [ الحجر : الآية 29 ] الآية . فالروح واحدة كما أن النفس واحدة فإذا وصل المحب العاشق إلى التحقق بذلك لم يبق له نفس ولا روح ولا محبة ولا عشق ، وهذا معنى قصر ليلة الوصل . وقوله طالت ، أي تلك الليلة يعني بعد قصرها بوجود نفس المحب العاشق ، ووجود روحه انكشف له أنها طويلة طولها من الأزل إلى الأبد فلا انقضاء لها ولا انصرام ، كما أنه لا بداية لها ولا افتتاح لرجوع الأمر كله إليه تعالى . ثم بيّن معنى قصرها ومعنى طولها بقوله وطابت بلقا بحذف الهمزة لضرورة الوزن ،