الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

305

شرح ديوان ابن الفارض

الطبيعة بقواها النافذة في الجسد السوي المدبرة له ظاهرا وباطنا ، وهذا هو الفرق بين الروح والنفس . وقوله فقد الفاء في جواب أما المقدرة ، وتقديره وأما النفس فقد . وقوله ذابت ، أي اضمحلت شيئا فشيئا بأن تجردت عن علائقها البشرية وموانعها الطبيعية فصارت روحا كما كانت في أول أمرها . وقوله في جنب رضاك ، أي في طرف وجانب من رضاك . والخطاب للمحبوب الحقيقي . وقوله في الهوى ما لاقت ، أي الذي لاقته أي وجدته ، وهو ما يجده المحب من مقاساة الشدائد . وفاعل لاقت ضمير عائد إلى النفس يعني حيث أنت راض فكل صعب سهل ولكل مقام أهل . اه . وقال رضي اللّه عنه : أهوى رشا كلّ الأسى لي بعثا مذ عاينه تصبّرى ما لبثا ناديت وقد فكرت في خلقته سبحانك ما خلقت هذا عبثا [ الاعراب والمعنى ] « أهوى » على وزن أرضى بمعنى أحبّ ، من الهوى المقصور الذي هو بمعنى المحبة . و « الرشا » محرك مهموز الآخر ، ولد الظبية . و « كل » بالنصب مفعول مقدم لبعث . و « بعث » أرسل ، والألف للإطلاق . و « لي » متعلق به . و « مذ عاينه » أي شاهده من المعاينة . و « تصبرى » فاعل عاينه . و « ما لبث » أي ما توقف صبري وقت معاينته له . وفي الإتيان بالتصبر هنا دون الصبر إشارة إلى أن ما بقي عنده تصبر متكلف ، وإلا فالصبر الحقيقي لم يبق لديه ، ومع ذلك بادر بالذهاب عند معاينة عين الأحباب . « ناديت وقد فكرت في خلقته » الواو في وقد واو الحال ، وفسر نداءه بقوله « سبحانك ما خلقت هذا عبثا » . و « سبحانك » تنزيه له تعالى عن أن يخلق هذه الصورة الجميلة عبثا بغير حكم وبغير فائدة ، وليس في الجملة حرف نداء فمعنى « ناديت » حينئذ أعليت صوتي بقولي سبحانك إلى آخره ، لأن من شأن المنادي أن يعلي صوته . والعبث على اللّه تعالى محال فهو منزه عنه ، وفي القرآن : رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ [ آل عمران : الآية 191 ] . وفي كلامه جناس القلب بين بعث وعبث . ( ن ) : يكني بالرشا هنا عن الصورة الكاملة التي يتجلى بها الحق تعالى فإنها عرض لا يبقى يظهر بها الوجود الحق لمحة ، ويختفي بها لمحة عن كشف منها لها وشهود ، وهو الإنسان الكامل المتصف بالجمال الذاتي من حيث أنه العالم العامل ، وهذا الجمال لا يدركه إلا العارف بربه المتحقق بمراتب قربه . وقوله عاينه أي رآه ، والضمير للرشا المذكور . وقوله تصبري هو تكلف الصبر . وقوله في خلقته ، أي خلقة ذلك الرشا المكنى به عمن ذكرنا ، وإنما جعله رشأ لأن النفار من شأن الرشا ،