الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
276
شرح ديوان ابن الفارض
فقد باء بالخسران المبين ، فليبك على نفسه فإنه من النادمين ، و « اللام » في فليبك لام الأمر ، والفاء في جواب الشرط أي من ضاع عمره فليبك على نفسه . قال بعضهم : إذا كان هذا الدمع يجري صبابة * على غير ليلى فهو دمع مضيع وقال آخر : فوا أسفي أن لا حياة هنيئة * ولا عمل يرضي به اللّه صالح واعلم أن الشيخ قد كان مشربه مشرب العشق ، وكان يظهر عليه الحال في جميع الأحوال . فكان كما قيل يطرب لصرير الباب وطنين الذباب ، وقد سمع قصارا يقول : قطع قلبي هذا المقطع لا كان يصفو أو يتقطع . فأخذ له من القصة حصة ، وصار يقول بغرام وهيام ، قطع قلبي هذا المقطع ، وأخذ من قوله لا كان يصفو أو يتقطع معنى لنفسه ، يعني لا صفا قلبه من الكدورات البشرية والعلائق الحسية ، ولا تقطع بالفناء عن الوجود ، والالتفات إلى بارىء كل موجود . فهو بين المرادين ، واقف بين العدمين ، ومن لطيف مواقعه ، التي أوجبت سكب مدامعه ، أنه كان آتيا من بعض الجمعيات ليلا فسمع الحرس في السوق ، وحادي طربهم لركبهم يسوق ، ينشدون على بعض آلات الطرب ، والشوق من واديهم قد اقترب : مولاي سهرنا نبتغي منك وصال * مولاي فلم تسمح فنمنا لخيال مولاي فلم يطرق ولا شك بأن * ما نحن إذا عندك مولاي ببال فأخذ الشوق بالطوق وبادر الغرام في السوق ، وجذب بزمامه عند سجع حمامه ، ونادى لسان حاله عند انسداد المعتاد من مقاله : أسكان طيبة هل من قرى * فقد دفع الليل ضيفا غريبا وهاج وماج وعج وما عاج ، ومزق أطواقه وعالج أشواقه ، وخرج عن حسه عند وجدان أنسه ، وألقى ما عليه عندما لقي ما صار إليه ، وعن العلائق تعرّى ومن غيرهم تجرد وتبرّى ، وصاح وباح وبكى وناح ، وأخذ المعنى من ذلك المغنى ، وحركه الطرب عندما تواجد واقترب ، وكانت ليلة ركض فيها خيله ، وساق في ميدان الحنين وسبق في مضمار الأنين ، فجاءه القوم نهارا تراهم سكارى وما هم بسكارى ، فألقوا إليه ما ألقى إليهم ، وخلعوا عليه ما خلعه عليهم ، وقالوا هذه الأثواب ، فقال والذي فتح الباب ، لا يرجع إليّ شيء سلبه الشوق السالب ، وغلبني عليه الوجد الغالب ، مضى ما مضى وقضى الرب ما قضى ، فخذوا ما أصابكم والبسوا أثوابكم واغتنموا