الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
275
شرح ديوان ابن الفارض
يخدمك في كل ما تريد ، ولا يعصاك في شيء بسبب فنائك عنك وخروجك عن أنانيتك وشهودك ربك بربك بعد ما كنت تشهد نفسك بنفسك أو ربك بنفسك . وقوله ولك الحكم أي التحكم على كل شيء . اه . فلا عيش في الدّنيا لمن عاش صاحيا ومن لم يمت سكرا بها فاته الحزم على نفسه فليبك من ضاع عمره وليس له فيها نصيب ولا سهم [ المعنى ] قوله « فلا عيش » الظاهر أن المراد من العيش هنا اللذة في الحياة والنعيم فيها ، كما يقال فلان في لذة وعيش ونعيم ويجوز أن يراد بالعيش الحياة أي لا حياة في الدنيا لشخص عاش أي بقي حيّا مع الصحو . قوله « ومن لم يمت سكرا بها فاته الحزم » « الحزم » بالحاء المهملة والزاي الرأي السديد ، يقال فلان له حزم أي رأي سديد . « ومن » شرطية أو موصولة فعلى الأوّل يكون « فاته الحزم » جواب الشرط . وعلى الثاني يكون خبر المبتدأ . قوله « سكرا » مفعول لأجله لقوله يمت أي ومن لم يمت لأجل السكر بها . ويجوز أن يكون حالا أي سكران . وحاصل البيت أن هذه المدامة عيش الحياة ، وربح الممات وذلك أن من عاش في الدنيا خاليا من محبتهم فهو جسد بلا روح ، وتاجر بلا فتوح ، يغدو ويروح ، كالجسد المطروح ، ليس له خلاق ، ولا يتحلى بجميل أخلاق ، ومن مات صاحيا عن شرابهم ، ولم يكن معدودا من أحبابهم ، فقد مات الميتة الجاهلية ، ولم يسم إلى المراتب العلية : ألا يا أيها الساقي * أدر كاسات أحداق ولا تقطع مودّتنا * وواصل كل مشتاق ولا تبخل على الفاني * ببذل جمالك الباقي وما ألطف قول من قال : سكران وجد لا أزال مولها * يا ليت شعري ما سقاني الساقي ومن علم حال الشيخ عند وفاته ، ومفارقته لحياته ، تيقن أنه مات بها سكران ، وزال عن الدنيا ولهان ، لا يعرف سوى الحبيب الذي منه قريب ، ولدعائه مجيب ، فقال « على نفسه فليبك » إلى آخره . وتقدير الكلام من ضاع عمره وليس له فيها نصيب ولا سهم مصيب ، ويروى وليس له منها . وما أحسن جعله فعل الشرط ضياع العمر كأنه محقق ليس فيه ارتياب ، وإلا فالقانون في مثل هذا التركيب أن يقال : من نفد عمره مع عدم النصيب من هذه المدامة ، فقد ضاع عمره ولقي الخسارة والندامة . وأما الشيخ فإنه قال : من ضاع عمره في صحو الدنيا ، والاجتهاد فيها على النصيب الأدنى