الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

274

شرح ديوان ابن الفارض

لك لأجل هاتيك السكرة الواقعة في قدر نظرة . واعلم أن بعض من قلّت بضاعته ، وغرّته جماعته لما سمع ما يروى عنه صلى اللّه عليه وسلم : « لا تسبوا الدهر فإنه اللّه » اعترض بأن ذلك يرد قول الشيخ « ترى الدهر عبدا طائعا ولك الحكم » وشرع بعد اعتقاده صحة انتقاده يجيب من مكان قريب عن إشكال صعيب . وأنت على ما أنت عني نازح * وليس الثريا للثرى بقريبة فمن جملة ما به أجاب ورام به أن يفتح الباب أن ترى الدهر كلام مستقل . وقوله « عبدا » يكون حالا من فاعل ترى أي وفي سكرة منها ترى أنت الدهر إذ تكون السكرة سببا لرؤيتك الدهر حال كونك أيها المخاطب عبدا موصوفا بأنه طائع . وقوله « ولك الحكم » يكون قيدا لقوله ترى الدهر . أي ترى الدهر وتشاهده ولك الحكم في الكائنات ، عند صدور تلك المشاهدات . والصواب في الجواب أن الدهر لفظ مشترك ، فيطلق تارة بمعنى اللّه جل وعلا كما في الحديث ، ويطلق تارة بمعنى الزمان ومنه قوله تعالى حكاية عن الكفار وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ [ الجاثية : الآية 24 ] فلو كان بمعنى الزمان لما صدر الحكم على القائلين بالكفر فتأمل . والمراد منه في البيت المعنى الثاني . قوله « طائعا » صفة عبدا وهذه الصفة أفهمت أن المراد بالعبد معناه اللغوي من عبدت الدابة ، أي ذللتها حتى أطاعتني فلما وصفه بالطاعة علم أن المراد منه ذلك المعنى لا معنى الرقيق المقابل للحر فإنه غير مراد . قوله « ولك الحكم » أي ترى الدهر عبدا طائعا ، والحال أن لك الحكم عليه لا أن له الحكم عليك وإن أطاع إذ ربما يتوهم أن إطاعته تصيره حاكما ، كما في قوله صلى اللّه عليه وسلم : « من أطاع اللّه أطاعه كل شيء » وما أحسن قول صاحبنا المرحوم السيد محمد القدسيّ الشافعيّ الشهير بابن حضب المدرس بالمدرسة العذراوية بدمشق المحمية من قصيدة فريدة : لأحكامه انقاد الأنام لأنه * تقيّ أطاع اللّه في السرّ والجهر وما أحسن المقابلة بين الساعة والدهر ، فإنه جعل السكرة فيها في مقدار ساعة موجبا للحكم على الدهر بانقياده . وما ألطف قول من قال : إذا ما نديمي علمني ثم علني * ثلاث زجاجات لهن هدير خرجت أجرّ الذيل تيها كأنني * عليك أمير المؤمنين أمير ( ن ) : قوله منها ، أي من المدامة المذكورة . وقوله ترى خطاب للمريد السالك في طريق اللّه تعالى على الصدق في أحواله . وقوله الدهر المعني فيه زمانه ، أي مدّة عمره في الدنيا . وقد يراد بالدهر هنا مدّة الدنيا كلها . وقوله عبدا طائعا ، أي خادما