الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

266

شرح ديوان ابن الفارض

بعد ظهور هذه المدامة في ملابس أعنابها وعناقيدها وهو تلبسها بالأشياء . وقوله « ولها اليتم » هو مصدر يتم ، ييتم يتما ، بضم الياء وفتحها . لكن اليتم في الناس من قبل الأب ، فيقال : صغير يتيم . والجمع أيتام ويتامى . وصغيرة يتيمة ، وجمعها يتامى . وفي غير الناس من قبل الأم ، وضمير لها للمدامة المذكورة . ونسبة اليتم لها كناية عن فناء الروح الذي هي متلبسة به أول ظهورها قبل تلبسها بالطبيعة التي هي متلبسة بها ، فكأن الروح أبوها والطبيعة أمها ، فإذا ظهرت في عالم التركيب من الروح والطبيعة ، وهو عالم الحيوان والإنسان ودخل الإنسان في مجاهدة السلوك إليها ، ومات أبوها الذي هو الروح الآمري بالتحقق بالفناء الاضمحلال كانت يتيمة في عالم طبيعتها ، وهو حجر أمها ، وذلك لضرورة قيامها بالتكاليف الشرعية أمرا ونهيا ، وهو معنى كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به في حديث المتقرب بالنوافل ، وهذه حال السالك الصادق في سلوكه إلى معرفة ربه ، وتحققه بمعاني قربه ، قال تعالى : وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ الأنعام : الآية 152 ] ومال اليتيم القوى الطبيعية والأعضاء الحسية أي لا تفنوها بالكلية بعد فناء عالم النفوس والأرواح . والنهي عن قربان مال اليتيم لأجل بقاء التكاليف الشرعية على العبد . اه . محاسن تهدي المادحين لوصفها فيحسن فيها منهم النّثر والنّظم [ الاعراب والمعنى ] قوله « محاسن » بالرفع خبر مبتدأ محذوف ، أي هي محاسن ، والضمير يعود لجميع ما ذكر في القصيدة من أوصاف المدامة . و « تهدي » بفتح التاء من هدى يهدي ، بمعنى دل بلطف ، وفاعل تهدي ضمير مستكن تقديره هي يعود للمحاسن . والواصفين مفعوله ، والتقدير هي محاسن عظيمة تدل الواصفين على وصفها ، أي تدل الناس الواصفين لها على وصفها ، فهي تدل على ذاتها ، سبحان من دل بذاته على ذاته ما عرف اللّه إلا اللّه . قوله « فيحسن فيها » أي في تلك المحاسن ، منهم أي من الواصفين ، النثر وهو الكلام المقفى من غير ملاحظة وزن ، والنظم المقفى مع ملاحظة الوزن على واحد من البحور المذكورة في كتب العروض : وتسعدني في غمرة بعد غمرة * سبوح لها منها عليها شواهد وقوله « لوصفها » متعلق بتهدي ، أي تدل تلك المحاسن الواصفين إلى وصفها فاللام بمعنى إلى . وفي البيت الطباق بين النثر والنظم ، وفي ذكر النثر والنظم إشارة إلى أن ألفاظهم في وصفها در مكنون .