الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
253
شرح ديوان ابن الفارض
وتنطق « 1 » ، أي تتكلم بالعلوم الإلهية والحقائق العرفانية . وقوله من ذكرى بالكسر ، المعنيّ به هنا التذكر والحفظ بدوام استحضار التجليات الإلهية في عوالم الإمكان بحيث تزول غيريتها عن بصيرته بالكلية . وقوله مذاقتها ، المعنى في ذلك تذكر معاني التجليات الإلهية الجارية على السنة العارفين المحققين فإن الكلام إذا خرج من القلوب دخل إلى القلوب ، والذي في الألسنة لا يجاوز الألسنة ، وقوله البكم جمع أبكم كنى بذلك عن الغافل المحجوب عن تجليات علام الغيوب فإنه أبكم اللسان والقلب فلا ينطق إلا عن الأغيار بالأغيار . اه . ولو عبقت في الشّرق أنفاس طيبها وفي الغرب مزكوم لعاد له الشّمّ [ المعنى ] عبق به الطيب إذ الرق به . والظاهر أن المراد هنا ولو فاحت وشاعت وانتشرت في الشرق أنفاس طيب هذه المدامة ، وكان في الغرب مزكوم ليس له من حاسة الشم نصيب لعاد إليه شمه وذهب عنه سقمه . وإنما اختار أن يكون الطيب في الشرق والمزكوم في الغرب لأن الشرق محل الطلوع ، والغرب محل الغروب ، والشرق محل الابتداء ، والغرب محل الانتهاء ، فالمناسب للشرق أن يكون محل الطيب كما ذكرناه فاعلم ذلك ، واللّه تعالى أعلم بما هناك . ( ن ) : قوله في الشرق ، أي في جهة بلاد المشرق ، وهي التي خرجت منها أولياء العراق ومنها القطب وتوجهت إليها أهل الدنيا من جميع الآفاق . وقد يراد بالشرق قلب الإنسان الكامل لأنه مشرق شمس الوجود الحق . وقوله أنفاس طيبها ، المعنى في ذلك لو تقررت معاني التجليات الإلهية عن ذوق ووجدان من الإنسان الكامل العرفان ، وانتشرت روائحها منه في جوانب الأكوان ، وظهرت عليه إمارات الصدق في الوجدان . وقوله في الغرب ، أي في جهة بلاد المغرب وهي التي خرجت منها الأولياء الكبار وهاجر أكثرها إلى بلاد المشرق كالشيخ الأكبر وغيره . وقوله مزكوم ، يعني لا يشم رائحة التجليات الإلهية لاشتغال نفسه بتوهمات الأغيار الكونية . وقوله لعاد له الشم ، أي حاسة إدراك الروائح بحيث يصير يشم روائح التحقيق والعرفان من كلام أهل الكشف والعيان . اه . ولو خضبت من كاسها كفّ لامس لما ضلّ في ليل وفي يده النّجم
--> ( 1 ) قوله : وتنطق الخ . بالتاء هي نسخته التي كتب عليها . اه .