الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
252
شرح ديوان ابن الفارض
محيط بها أما لو ألقي خارجها من غير أن يكون ثمة فيء لم يكن منسوبا إليها . وما ألطف هذه المبالغة التي حسنها الإتيان بلو المقتضية لنفي ما بعدها إذا كان مثبتا فاعلم ذلك . وفي البيت التجانس بين في وفيء . وفي الإتيان بأشفى إيهام الإغراب حيث كان في البيت بحسب الظاهر الجمع بين الشفاء والعلة فتأمل . ( ن ) : قوله ولو طرحوا ، أي الندمان المذكورون . وكنى بالفيء عن عالم الخيال خيال الإنسان الكامل فإنه راجع عن جانب مغرب الأكوان إلى جانب مشرق شمس الأحدية من مطلع الروح الآمري الرباني . وكنى بحائط كرمها عن عوالم الإمكان الظاهرة للحس والعقل . فإنها جدار بين الدنيا والآخرة ، فإن الجسد الإنساني وما تضمن من الجوارح والأعضاء والقوى الروحانية بمنزلة الجدار ، فإذا انهدم بالموت صار الإنسان في عالم الآخرة ، والمعنيّ بالطرح في فيء الحائط المذكور توجه خاطر الإنسان الكامل واشتمال خياله على صورة ذلك العليل . وقوله عليلا من العلة بالكسر المرض ، قال تعالى : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [ البقرة : الآية 10 ] فإن القلوب تمرض روحانياتها كما تمرض الأجمسام ، ودواء الأجسام حسي ، ودواء القلوب معنوي . ومن جملة الدواء أن يكون المريض مطروحا بالاعتقاد والتذلل في خاطر الإنسان الكامل العالم بربه العامل . اه . ولو قرّبوا من حانها مقعدا مشى وينطق من ذكرى مذاقتها البكم [ المعنى ] « الحانة » موضع بيع الخمر . والحان جمعها مثل حاجة وحاج وساعة وساع ، يعني لو قرب القوم من موضع وجود الخمرة مقعدا قد ناله الزمان بعلة الزمانة واقعده بذلك مكانه . « لمشى » بمجرد التقريب واستغنى عن معالجة الطبيب . قوله « وينطق من ذكرى مذاقتها » يعني لو ذكر أحد عند أبكم مذاقة هاتيك المدامة لنطق وأظهر كلامه . و « البكم » في آخر البيت جمع أبكم ، وهو الأخرس ، أو من يولد لا ينطق ولا يسمع ولا يبصر . وهذا البيت مشتمل على كرامتين للمدامة ، الأولى : مشي المقعد عند تقريبه من حانها ، والثانية : نطق الأبكم عند ذكر مذاقتها . وفي البيت الطباق في الإقعاد والمشي والنطق والبكامة . ( ن ) : قوله قربوا ، أي الندمان والمعنيّ بألحان هنا مجالس أهل العلوم الإلهية أصحاب التحقيق والعرفان . وقوله مقعدا كنى به هنا عمن لا نهوض له إلى معرفة ربه المعرفة الحقيقية . وقوله مشى ، أي انطلق من قيود أوهامه وشهواته وسلك حيث أراد من مسالك التحقيق بعناية التوفيق . وقوله