الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

251

شرح ديوان ابن الفارض

ولو نضحوا منها ثرى قبر ميّت لعادت إليه الرّوح وانتعش الجسم [ المعنى ] نضح البيت رشه ، ونضح العطشان سكن عطشه ، ويجوز الوجهان هنا . و « الميت » أصله ميوت فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء ويخفف بعد الإدغام فيقال « ميت » . قال الفراء : ويستوي فيه بعد التخفيف الذكر والأنثى ، قال اللّه تعالى : لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً [ الفرقان : الآية 49 ] وقوله « منها » أي من المدامة واللام في « لعادت » جواب لو . والضمير في « إليه » للميت . و « الروح » فاعل عادت ، وذلك يقتضي أن الروح كانت موجودة قبل . والروح إذا سئل عنها أحد جوابه أن يقول هي من عالم الأمر ، ليوافق قوله تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [ الإسراء : الآية 85 ] وبعض المتكلمين يجعل الروح والنفس بمعنى واحد . و « انتعاش الجسم » عبارة عن ثبوت حركات الحياة وظهور الطراوة وانبعاث الوجود بما ينافي وصف العدم ، ولا شبهة في أن انتعاش الجسم من لوازم عود الروح إليه ، وما ألطف الانتعاش بعد الرشاش . ( ن ) : ضمير الجمع في نضحوا للندمان في البيت قبله . وقوله منها أي من المدامة المذكورة . ونضحهم كناية عن توجههم بالجمعية الكبرى من حضرة المتجلي الحق بأذنه سبحانه كما قال تعالى عن عيسى عليه السلام : وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي [ المائدة : الآية 110 ] ، وقوله وانتعش الجسم ، أي عاد حيّا كما كان لو أراد اللّه تعالى وأذن في ذلك لمن شاء من عباده السالكين في طريق التحقيق كما وقع إحياء الموتى بطريق الكرامة لجماعة من أولياء اللّه تعالى ميراثا عيسويا روحانيا . اه . ولو طرحوا في فيء حائط كرمها عليلا وقد أشفى لفارقه السّقم [ المعنى ] قوله « طرحوا » إشارة إلى أن العليل المطروح كجسد قد فارق الروح ، وأنه صار كالحجر الملقى لشدّة ما يلقى ، و « في » الأولى حرف جر للظرفية والثانية مهموزة اللام ، و « الفيء » بمعنى الظل ، أو أن الظل بالغداة ، والفيء بالعشيّ . قلت وذلك لملاحظة أن الفيء من فاء بمعنى رجع ، ولا شك أن ظل الشمس يكون صباحا ويرجع عشيا . و « الحائط » الجدار ، وكأنه في الأصل اسم فاعل من الحوطة أو الحيطة فقلبت الواو أو الياء همزة . و « الكرم » للعنب خاصة . و « العليل » السقيم ، والواو للحال للتقريب . و « أشفى » أي زال شفاؤه أو أشفى على الموت أي أشرف عليه . واللام في « لفارقه » جواب لو . و « السقم » على وزن قرب العلة الموجودة في العليل . وإنما قيد الطرح بأن يكون في فيء حائط كرمها ليكون منسوبا إليها لأن الفيء للحائط . والحائط