الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
246
شرح ديوان ابن الفارض
شراب المحبة الإلهية الناشئة عن شهود آثار الأسماء الجمالية للحضرة العلية فإنها توجب السكر والغيبة بالكلية عن جميع الأعيان الكونية . وقوله سكرنا ، أي غبنا لذة وطربا عن كل ما سوى الحقيقة ، واتصلنا بغيب غيبتنا من ممتد هاتيك الرقيقة . وقوله بها ، أي بتلك الخمرة المذكورة والنشأة المطلقة المحصورة ، وقوله من قبل أن يخلق الكرم ، يعني أن سكره المذكور سابق في الحضرة العلمية قبل ظهور كل مقدور . اه . لها البدر كأس وهي شمس يديرها هلال وكم يبدو إذا مزجت نجم [ المعنى ] هذا البيت عجيب في بابه فإنه مشتمل على ذكر ألفاظ يناسب بعضها بعضا ، وهي البدر والشمس والهلال والنجم وكذلك الكأس والإدارة والمزج . و « البدر » مبتدأ . و « كأس » خبره ، والتقدير البدر كأس لها . وقيل سمي البدر بدرا لمبادرته الشمس بالطلوع كأنه يعجلها المغيب . والكأس الإناء يشرب فيه ، أو ما دام الشراب فيه مؤنثة مهموزة جمعه أكؤس وكؤس وكاسات . و « الشمس » الكوكب النهاري العظيم المضيء . وهو الأوسط في السبعة السيارة ، فوقه ثلاثة وهي زحل والمشتري والمريخ ، وتحته ثلاثة وهي عطارد والزهرة والقمر ، والشمس في الوسط مأخوذ من شمسة القلادة . ومنهم من يقول البدر عبارة عن العارف الكامل وأكبر العارفين الأنبياء بعد نبينا يراد العارفون من أمته ، والمدامة هي المعرفة الإلهية التي تفيض أنوارها في جميع الكائنات . وأما « الهلال » الذي يديرها فهو المبلغ عن العارف كأصحاب الأنبياء وتلاميذ العارفين . وإذا مزجت المعرفة اللدنية بالمدارك الشرعية الدينية فكم يظهر هناك نور يهتدي به أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم . وما أحسن قول الشيخ عبد الرحيم اليمني البرعي حيث يقول : هم نجوم أشرق الكون بهم * بعد ما كانت نواحيه ظلاما كل من لم ير فرضا حبهم * فهو في النار وإن صلى وصاما ( ن ) : قوله لها ، أي لتلك المدامة المذكورة من حيث أنها محبة إلهية كما ذكر ، وهي عين المحبة الأزلية ظاهرة في مظاهر الآثار الكونية فشمس بحبهم ظهور نورها في بدر يحبونه من قوله تعالى : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [ المائدة : الآية 54 ] وذلك الظاهر عين الباطن . وهو المشرق على جميع المواطن . وهو خمر الوجود الحق والخطاب الصدق شربه كل شيء من الأشياء فظهرت به الظلالات والأفياء ، فهو محبة ينبت كل حبة ، وهو خمر يسكر عقل زيد وعمرو ، وهو وجود يفيض أنواع الكرم والجود ، وهو خطاب كن فيكون تنفصل به كل حركة وسكون ، وهو ذات لقيام الأدوات ، وهو