الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

245

شرح ديوان ابن الفارض

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم [ شرح القصيدة الثالثة عشرة ] وقال رضي اللّه تعالى عنه : شربنا على ذكر الحبيب مدامة سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم [ المعنى ] اعلم أن هذه القصيدة مبنية على اصطلاح الصوفية فإنهم يذكرون في عباراتهم الخمرة بأسمائها وأوصافها ، ويريدون بها ما أدار اللّه تعالى على ألبابهم من المعرفة أو من الشوق والمحبة . والحبيب في عبارته عبارة عن حضرة الرسول عليه الصلاة والسلام ، وقد يريدون به ذات الخالق القديم جل وعلا لأنه تعالى أحب أن يعرف فخلق . فالخلق منه ناشىء عن المحبة وحيث أحب فخلق فهو الحبيب والمحبوب والطالب والمطلوب والمدامة المعرفة الإلهية والشوق إلى اللّه تعالى . وقوله « سكرنا بها » أي طربنا وانتشينا على سماع أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ [ الأعراف : الآية 172 ] قبل أن يخلق الكرم أي الوجود ، فإن الكرم عبارة عن هذا الوجود الممكن الحادث الذي أوجدته القدرة الإلهية ، ولا شك أن طرب الأرواح على السماع عند شرب الراح قبل إيجاد الأشباح . وقوله « من قبل أن يخلق الكرم » وقع فيه تنازغ بين سكرنا وشربنا ، والخلاف فيه معلوم في كتب النحو ومما يورد هنا قول الإمام فخر الدين الرازي . شربنا على الصوت القديم قديمة * لكل قديم أوّل هي أوّل فلو لم تكن في حيز قلت إنها * هي العلة الأولى التي لا تعلل ( ن ) : قوله شربنا ، أي معاشر السالكين في طريق اللّه تعالى . وقوله على ذكر الحبيب ، أي المحبوب وهو الحق تعالى . وذكره تذكره بعد نسيان الغفلة عنه وحجاب التباعد منه . وقد يراد بالذكر الذكر باللسان ، أو بالقلب والجنان . ومن عادة الشربة الفاسقين أنهم يشربون على السماع والطرب بأنواع التلاحين فجرى على سنتهم من قلب أعيان الوجود والكشف عن حقائق الكرم الإلهي والجود . وأشار إلى أن ذكر الحبيب عنده من أقوى أسباب الطرب . وقوله مدامة ، أي خمرة . والمعني بها هنا