الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

238

شرح ديوان ابن الفارض

لكنها غبرة ليس سوادها قويا . ويروى يزبدّ بالزاي من قولهم فلان أزبد وأرغى ، أي خرج منه زبد أي رغوة من فمه . ويدل للرواية الثانية قوله من حنق لأن الحنق الغيظ . وإنما يقال فلان أزبد وأرغى من الغيظ . قوله و « الزهر » يروى بضم الزاي على أن المراد بها النجوم . و « تبسم » بكسر السين أي تضحك . « عن وجه الذي عبسا » وضحكها عبارة عن إشراقها وظهور لمعان نورها ، ولذلك قال عن وجه الذي عبسا ، أي تظهر نورا كنور الحبيب الذي قد عبس لعشاقه فهو عابس لكن نوره ساطع لامع . و « الدجى » جمع دجية بضم الدال . وإذا كان جمعا لدجية فكان الواجب أن يقول تربد بالتاء لكون مرجع الضمير جمعا . ويجوز أن يكون الشيخ قد نطق بها كذلك لكن الرواة حرّفوها على أن الدجى يحتمل أن يكون مفردا على أنه عبارة عن الليل . وفي البيت الطباق بين الغضب والرضا المفهومين من الحنق والتبسم . ( ن ) : قوله زارني أي المحبوب الحقيقي بمعنى انكشف لي أنه متجل بي عليّ . وقوله والدجى ، كناية عن ظلمة الأكوان . وقوله يربدّ هي هنا بمعنى يشتدّ . وقوله حنق يشير إلى أن عالم الكون يقتضي الإعراض عن الحق تعالى بما فيه من الزخارف الملهية والأسباب المطغية . وأنّ الاشتغال بتجليات الحق تعالى على خلاف مقتضاه ، أو أن أهله منافرون كل التنافر لأهل اللّه . وقوله و « الدهر يبسم » فالدهر هنا إشارة إلى المتجلي الحق بكل شيء ، وفي الحديث : « لا تسبوا الدهر فإن الدهر هو اللّه » . وابتسامه كناية عن الإقبال وإظهار الفرح ، كما ورد عنه تعالى أنه يفرح لتوبة عبده . وقوله عن وجه عن للمجاوزة . والمعنى هنا بأن الابتسام أي الفرح من الحق تعالى بملاقاة عبده . أي انكشاف الأمر عند عبده ، وإلا فالعبد لا يغيب عنه تعالى أصلا ، ووجه بمعنى ذات . وقوله الذي عبسا ، أي عن ذات الدجى الذي عبس بوجه المتوجه به على قطعنا عن مواصلة المحبوب الحقيقي وظهور تجلياته لنا . اه . وابتزّ قلبي قسرا قلت مظلمة يا حاكم الحبّ هذا القلب لم حبسا [ الاعراب والمعنى ] « ابتز » بمعنى سلب يقال من عز بز ومن غلب سلب . و « قلبي » بتحريك الياء للوزن . و « القسر » بفتح القاف والسين المهملة القهر والغلبة . وقلت كان القياس فيه أن يكون بالفاء أي فقلت . و « مظلمة » بفتح اللام منصوب على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف . أي ظلمت مظلمة . ثم أنه بيّن مظلمته بقوله « يا حاكم الحب » أي يا حاكما في وقائع الحب ، ويا قاضيا في شريعته هذا القلب يشير إلى قلبه . وقوله « لم » أصله لم بفتح الميم لكن سكن للضرورة ، وأصله ما الاستفهامية لكن حذف ألفها عند دخول حرف الجر عليها على حد قوله تبارك وتعالى : عَمَّ يَتَساءَلُونَ ( 1 )