الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
214
شرح ديوان ابن الفارض
القانون أن يقال ولو مزجه عذلي ، ولك في مثل هذا ثلاثة أوجه : الأول أن تكون الواو حرفا يدل على الجمعية ، وأن يكون الفاعل ما وراءهما من نحو البراغيث ، وعذلي ، الثاني أن يكون الاسم المرفوع الواقع بعد الفعل مبتدأ والجملة قبله خبره . الثالث أن يكون الاسم الظاهر بدلا من الاسم الضمير الذي اتصل بالفعل ، والشذوذ إنما هو على التقدير الأول . فقولهم : أكلوني البراغيث ، شاذ إنما يستقيم على ملاحظة كون الواو حرفا يدل على الجمع المذكر العاقل ، وأما على الوجه البدل أو وجه الابتداء والخبر فلا شذوذ ، فتأمل . كأنّ عذولي بالوصال مبشّري وإن كنت لم أطمع بردّ سلام [ المعنى ] « كأن » ترد في كلامهم لبيان الشك إذا كان الخبر مشتقا . نحو كأنك قائم لأن الخبر في المعنى هو المشبه والشيء لا يشبه بنفسه ، وقيل إنه للتشبيه مطلقا ، والحق أنه قد يستعمل عند النطق بثبوت الخبر من غير قصد إلى التشبيه سواء كان الخبر جامدا أو مشتقا ، نحو كأن زيدا أخوك ، وكأنه فعل كذا ، وهذا كثير في كلامهم وإنما جعل عذوله في مقام المبشر له بالوصال لكونه يذكر له الحبيب فذكره له في مقام إحضاره ومواصلته له . قوله « وإن كنت لم أطمع برد سلام » إن هنا وصلية والواو على ما سبق في مثلها من الأوجه الثلاثة ، وهي مفيدة لتأكيد الحكم الذي قبلها لما أفدناه سابقا من أن المحذوف أولى بالحكم من المذكور ، فيفيد الحكم السابق معلقا على المحذوف بالأولوية . وفي البيت حذف إذ التقدير كأنّ عذولي على من أهوى مبشري بالوصال منه وإن كنت لم أطمع منه بردّ سلام عليّ ، فتأمّل . اه . بروحي من أتلفت روحي بحبّها فحان حمامي قبل يوم حمامي [ الاعراب والمعنى ] هذه « الباء » في بروحي تسمى عندهم روح التفدية . إذ المراد أفدي بروحي الحبيبة التي أتلفت روحي بسبب حبها . « فحان » أي قرب . « حمامي » بكسر الحاء ، بمعنى الموت . « قيل يوم حمامي » أي أحببتها فتلفت روحي بسبب محبتي إياها ، فلذلك قرب حمامي قبل يومه . وأعاد لفظة الحمام مظهرا في قوله « قبل يوم حمامي » مع أنّ القياس قبل يومه لزيادة تهويل المقام بذكر الحمام . والشيخ لا يقول بأن الإنسان يموت قبل يومه لأن اعتقاده مطابق لاعتقاد أهل السنة ، فيكون قوله قبل يوم حمامي من باب المبالغة في حكاية تأثير المحبة وفي إعادة لفظ الروح إقامة الظاهر مقام المضمر لتأكيد وقوع الإتلاف على الروح حقيقة .