الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
213
شرح ديوان ابن الفارض
وذكر شيئا من لوازمه وهو الإدارة على طريقة التخييل للاستعارة . وقوله مدامي كناية عن معاني التجليات الإلهية فإنها تسكر العارفين فيغيبون عن ملاحظة كل شيء . اه . ليشهد سمعي من أحبّ وإن نأى بطيف ملام لا بطيف منام [ الاعراب والمعنى ] قوله « ليشهد » تعليل متعلق بأدر . إذ المعنى : أدر ذكر من أهوى ليشهد سمعي ، فيقول أعد ذكر من أهواه لأجل أن يصل إلى سمعي ذكره ، فيكون بمنزلة مشاهدة السمع للحبيب ، وإن كان بعيدا غير قريب . قوله « بطيف ملام » فيه تشبيه الملام بالطيف وهو الخيال . وإضافة المشبه إلى المشبه من موجبات المبالغة على حد قوله : والريح تعبث بالغصون وقد جرى * ذهب الأصيل على لجين الماء أي على ماء كاللجين . ووجه التشبيه بين الملام والطيف أن كلّا منها لتخييل المرئي . وقوله « وإن نأى » مثل قوله ولو بملام ، إذ المراد ملامك أيها اللائم يوجب تصور الحبيب وإن كان بعيدا غير قريب . والباء في « بطيف » متعلقة بيشهد . وقوله « ليشهد سمعي » فيه إشارة إلى أن السماع يصور المسموع . كما أن النظر يصور المنظور ، وفي البيت الجناس اللاحق بين ملام ومنام . ( ن ) : قوله « ليشهد سمعي » لما كان المشهود حديثا كان الشاهد سمعا ، وفيه إشارة إلى أن هذا الحبيب ليس ممن يدرك بالحواس ولا بالعقل والقياس ، وإنما شبهوه بشهود آثاره ، والحواس والعقل كلها مشتركة في استقبال أنواره . وقوله وإن نأى ، أي بعد عني لأنه مطلق وأنا مقيد ، وهو قديم وأنا حادث ، والوجود له والعدم لي فالبعد بيني وبينه ظاهر . وقوله بطيف ملام ، يعني ليكون شهودي للمحبوب الحقيقي بواسطة الخيال الذي يلم بي في وقت لوم العذول لي على محبته ، فإن ذلك الخيال يحصل في نفسي بمقتضى استماعي للأحاديث عن ذلك الحبيب لأنه يذكر فيها ويقع العتاب بها على خيال محبوبه ، فإذا استيقظ حدث عنه ، وهذا العاشق لا ينام لأنه ملازم للسهر فلا يكون طيفه ذلك طيف منام . اه . فلي ذكرها يحلو على كلّ صيغة وإن مزجوه عذّلي بخصام [ الاعراب والمعنى ] « الصيغة » بكسر الصاد الهيئة الحسنة ، وقد تطلق على مطلق الهيئة بدليل قوله « على كل صيغة » أي ذكرها لي حال على كل هيئة تذكر سواء كانت حسنة أو قبيحة . ومن جملة الهيئات القبيحة إدارة ذكر من يهوى بملام ، فلذلك قال على كل صيغة . قوله « وإن مزجوه عذلي بخصام » هي إن الوصلية والواو الملازم لها يسمى واو الاعتراض أو واو العطف أو واو الحال . وفي « مزجوه » على لغة أكلوني البراغيث لأن