الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
210
شرح ديوان ابن الفارض
[ الاعراب والمعنى ] « لعل » هنا للترجي . و « أصيحابي » تصغير أصحاب على حدّ ما قالوا أجيمال تصغير أجمال . وقد تقرر حيث تكرر أن التصغير في كلامهم قد يرد للتحبيب وللتقريب ، وقد يرد للتعظيم وإن كان الأصل فيه أن يرد للتحقير والتقليل ، والمقام كفيل بتمييز ذلك . و « بمكة » ظرف لمعنى المصابحة المفهومة من أصيحابي ، أي لعل الفتية الذين أصاحبهم بمكة ، والمراد ترجيه أن أصحابه الذين صاحبهم في مكة يذكرون سليمى فيكون ذكرهم لها سببا لإبراد نار القلوب التي سترها في غضون الأضالع . وقوله « يبردوا » لأجل ضرورة الشعر ، وإلا فالواجب يبردون بإثبات نون الإعراب من أبرد الماء جعله باردا . و « ما » في قوله « بما تجن الأضالع » موصولة ومحلها النصب على أنها مفعول لقوله يبردوا . و « بذكر سليمى » متعلق بيبردوا . و « تجن » بضم التاء وكسر الجيم وتشديد النون ، وهو بمعنى تستر ومنه الجنين والجنة والجنون وجن الليل والمجن بكسر الميم وفتح الجيم لأن المعنى في الجميع يرجع إلى معنى الستر والإخفاء والأضالع العظام المنحنية فوق القلب والكبد . وجملة « يبردوا » الخ في محل رفع على أنها خبر لعل . والمعنى أترجى من أصحابي الذين أحبهم بمكة أن يذكروا سليمى ، فلعل ذكرهم لها يكون سببا لإبراد الضلوع ، وإخماد لهيب مانع في الليل الهجوع ، وأرتجي أيضا عود الليالي التي تصرمت بلقاء الأصحاب ووصال الأحباب وصغر الليالي وللتقريب والتحبيب . قلت إن أراد عود نفس الليالي فالواجب أن تكون « لعل » هنا بمعنى التمني لأن ذلك ما لا طمع فيه ، وإن كان المراد عودة مثل العيش الذي مر في هاتيك الليالي التي قد تصرمت فهو ترج على بابه ، وعل بدون لام لغة في لعل . وجملة « تعود لنا يوما » خبر لعل . وقوله « يوما » متعلق بتعود . وذلك دليل على أن المراد من طلب دعوة ما كان في تلك الليالي من الصفاء والانشراح ، وإلا فكيف يتمنى عودة الليالي في الأيام ويجعل الظرف الزماني ظرفا لمثله . فتأمل فإنه دقيق وبالتدبر حقيق . قوله « فيظفر » الفاء للسببية والفعل منصوب بأن مضمرة بعد فاء السبب لتقدم معنى التمني عليه . وقوله « ويفرح ويحيا ويأنس ويلتذ » أفعال منصوبة بأن مضمرة باعتبار ملاحظة عطفها على قوله « فيظفر طامع » وكل هذه الأفعال مترتبة على طلب عود الليالي السالفات ، وتمني رجوع الأيام الخاليات ، فإن الظفر والفرح والحياة والأنس واللذة للطامع ، والمحزون والمتيم والمشتاق والسامع إنما يكون عند لقاء الأحباب وقرب الأصحاب ، وأما البعاد والفراق واشتعال غليل