الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

204

شرح ديوان ابن الفارض

النفوس البشرية . وقوله يرينني أي تلك الفتيات بحالهن أو بمقالهن فإن نفوس السالكين تحس بالأمور الإلهية فتظهر عليهم آثارها وتشرق على بواطنهم وظواهرهم أنوارها . وقوله مرابع كناية عن مظاهر التجلي الإلهي ومراتب الانكشاف الرحماني ، فإن ذلك يظهر للسالك دون المتجلي الحق فيرى المنازل ولا يرى النازل . وقوله نعم كناية عن المحبوبة الحقيقية والحضرة العلية الغيبية الوجودية . اه . وهل ظلّ ذاك الضّال شرقيّ ضارج ظليل فقد روّته منّي المدامع « الظل » الفيء أو الظل بالغداة والفيء بالعشيّ . و « الضال » من السدر ما كان عذيا . واحدته بهاء أي ضالة أو هو السدر البري . و « شرقي » منصوب على أنه ظرف إذ المراد المكان الشرقي . و « ضارج » بضاد معجمة بعدها ألف وراء وجيم اسم موضع . و « ظليل » تأكيد للظل كما يقال روض أريض وظل ظليل وليل أليل ، ويجوز أن يراد بالظل الظليل الدائم الظل . وجملة قوله « فقد روته مني المدامع » تعليل للسؤال عن كون الظل ظليلا ، لأن المدامع إذا روّت شجر الظل الذي هو هنا الضال فيجب أن يكون ظله ظليلا ، لأن زيادة الظل تابعة لزيادة الورق ، وزيادة الورق من كمال الارتواء بالمدامع . فلذلك قال : فقد روّته مني المدامع ، أي فقد روّت المدامع مني ذلك الضال الذي هو في مكان شرقي الضارج ، وحيث روّته المدامع بدمع هامع فلا بدع بكون ظله ظليلا ، وورده سلسبيلا ، وظل : مبتدأ مضاف إلى اسم الإشارة الموصوف بالضال . والمعنى : هل ظل ذاك الضال حال كونه في مكان في الجانب الشرقي بالنسبة إلى ضارج ظل تام الظلال ، فإن مدامعي قد روّته كما تروي السحاب الثقال . وكأنه يحن إلى معاهد أيام لقاء معاهده فلذلك يسأل عنها كثيرا ، ويكاد عقله عند ذكرها أن يكون مستطيرا . ( ن ) : يكني بالظل هنا عن جملة الكون ملكا وملكوتا فإنه ظل الأعيان المتوجه بها الأمر الإلهي من حضرة الكلام الرباني والعلم الرحماني بواسطة الجامع الكلي وهو اللوح والقلم . قال تعالى : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ( 15 ) [ الرّعد : الآية 15 ] وقوله ذاك الضال كناية عن الأعين الثابتة بلا وجود أزلا وأبدا في الحضرة العلمية والحضرة الكلامية . وأشار إليها بكاف البعد لكونها غيبا عنا . ويشير بضارج إلى حضرة الأسماء الإلهية والصفات الربانية . وشرقي ذلك كناية عن الظهور بالآثار ، ولوامع الأسرار . وقوله ظليل كناية عن دوامه