الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

203

شرح ديوان ابن الفارض

واعلم أنه ورد في الحديث الصحيح على كل خير مانع فيمكن أن يدّعي أن الإقامة بالرقمتين خير عظيم ، فلذلك ورد عنه المانع وحالت دونه الموانع . ( ن ) : كنى بالظبيات عن حضرات التجلي الاسمائي من جناب الذات الغيبية النافرة عن الأكوان بالكلية ، فلا تشبه شيئا محسوسا ولا معقولا ولا يشبهها شيء محسوس ولا معقول مع ظهورها كمال الظهور في العوالم الإمكانية . وكنى بالرقمتين عن حضرة العلم الإلهي ، وهما الرقمتان . والظبيات المضافة إليها كناية عن نفوس الأولياء العارفين المحققين . وقوله أقمن ، أي تلك الظبيات . وقوله بها ، أي في منزلة الرقمتين المذكورتين بعد فنائهم عن وجودهم الموهوم في حضرة العلم والكلام المرقوم . وقوله أم دون ذلك مانع فالمانع هو رجوعهم إلى مقام العبودية لتكليفهم بالعبادة من قوله صلى اللّه عليه وسلم في الحديث القدسي : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي شطرين ولعبدي ما سأل . فلا بدّ من الرجوع إلى العقل بعد الخروج إلى المعرفة . اه . وهل فتيات بالغوير يرينني مرابع نعم نعم تلك المرابع « الفتيات » جمع فتاة وهي الشابة من النساء . و « الغوير » تصغير غور ، وهو المكان المنخفص ، وهو خلاف النجد لأن النجد المكان المرتفع . والغوير على وزن زبير ماء معروف لبني كلاب ، ومنه قول الزباء لما تنكب قصير بالأحمال الطريق المنهج ، وأخذ على الغوير « عسى الغوير أبؤسا » . و « يرينني » الضمير للفتيات . و « المرابع » جمع مربع وهو منزل القوم في زمن الربيع فقط . و « نعم » بضم النون وسكون العين علم لامرأة من العرب . و « نعم » فعل ماض يراد منه إنشاء المدح . و « تلك » اسم إشارة مرفوع المحل على أنه فاعل . و « المرابع » صفة اسم الإشارة . الإعراب : فتيات : مبتدأ وإنما سوغ الابتداء به تقدم أداة الاستفهام عليه . وبالغوير : صفة فتيات متعلق بمحذوف أي فتيات كائنات بالغوير ، وجملة يرينني مرابع نعم : خبر المبتدأ . وقوله تلك المرابع : جملة إنشائية مستأنفة لإنشاء المدح . المعنى : أنه يستفهم عن فتيات نازلات بالغوير هل ترينه مرابع هاتيك الحبائب ، فكأنه نسي الأماكن واشتبهت عليه المساكن ، والسؤال عنها لأجل الساكن . وفي البيت الجناس المحرف بين نعم ونعم . ( ن ) : قوله وهل فتيات يكني بذلك عن السالكين المبتدئين في طريق اللّه تعالى ، فإنّ بقايا نفوسهم المتعلقة بأبدانهم يديرونها على الطاعة والعبادة فهم في المجاهدة ، ولهذا قال بالغوير تصغير الغور ، والكناية بالغور هنا عن البنية الإنسانية لأن فيها سريان