الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
187
شرح ديوان ابن الفارض
بالمنى لكونها تصوّرت حماها في الوهم . فانظر إلى هذه الطريقة التي لا تسلك ، والعقيلة التي لا تحاز ولا تملك أولا هو ما تمنى وصلها أستغفر اللّه وإنما مناه ، ومناه ما تصوّرت الوصل بل تصوّرت حماها لا ذاتها . وأيضا « ما تصوّرت حماها » بطريق الحقيقة بل بطريق الوهم ، ومع ذلك ما تصور المنى متصورة لحماها في الوهم ، بل يقول لو تصورت وما تصورت ، لأن « لو » تدلّ على انتفاء الفعل المثبت الواقع بعدها . فانظر إلى هذا البيت المعمور الذي هو باللطائف مغمور . يقول : بلغت من العزة إلى أن المنى لو تصورت حمى الحبيبة بطريق الوهم ، لكان أثر ذلك التصور أن الطرق تضيق بهاتيك المنى لكونها قد تصورت ما لا يدخل تحت دائرة الإمكان حصوله ، ولا يتسنى لأحد قربه ولا وصوله . ولعمري أن هذا هو البديع الذي اعترف بحسنه الجميع ، فهو من عذوبة الألفاظ ، يكاد تشربه مسامع الحفاظ ، فسبحان من منحه ، وفتق لسانه بالسحر الحلال وفتحه ، هذا نشر الأزهار هب عليه نسيم الأسحار . ( ن ) : حماها ، كناية عن حضرات أسمائها وصفاتها . اه . وإن وعدت لم يلحق الفعل قولها وإن أوعدت فالقول يسبقه الفعل [ الاعراب والمعنى ] الجملة شرطية ، وهي « وإن وعدت » معطوفة على الشرطية في قوله « لو تصورت حماها المنى » ، فتكون منسحبة تحت ذيل الاستفهام التعجبي . أي وكيف أرجى وصل من إن وعدت بقرب أو وصل لا يحصل سوى الوعد من غير نتيجة بحصول فعل من القرب والوصل ، وإذا أوعدت ببعد أو صد فالفعل الموعود به يسبق قولها بالإيعاد . وذلك لأن وعد في المحبوب ، وأوعد بالهمزة في المكروه . والمعنى كيف أرجى وصل حبيبة وعدها بالخير قول لا ينتج فعلا موعودا به ، وإيعادها بضده فعل يسبق قولها ، وذلك مبالغة في سبق القول الفعل ، وفي المعنى وأني إذا أوعدته أو وعدته * لمخلف إيعادي ومنجز موعدي ومعناه ضد ما في بيت الشيخ ، ولا يخفى ما في البيت من الطباق في أوعدت ووعدت ، وفي القول والفعل ، والمبالغة في سبق الفعل القول عند الإيعاد . ( ن ) : المعنى إن وعدت بالخير أخرت ذلك الوعد إلى يوم القيامة لأن الدنيا فانية ، وما وعدت به أمور باقية لا فناء لها ، فوعدها البشرى الحسنة بالنعيم الأبدي . قال تعالى : لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [ يونس : الآية 64 ] وأما وعيدها فالفعل يسبق القول به لأنه قد يكون العذاب في الدنيا . قال تعالى : سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ