الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

176

شرح ديوان ابن الفارض

وما عثرت عين على أثري ولم تدع لي رسما في الهوى الأعين النّجل [ المعنى ] يقال فلان « عثرت عين على أثره » يعني أصابته ، والعين حق كما ورد ذلك في الآثار . وفي البيت شبه الإغراب بالغين المعجمة لأنه نفى عثور العين على أثره ، وادعى أن الأعين النجل ما تركت له عينا ، فالعين الأولى عبارة عن العين التي تصيب ، والعين الثانية عبارة عن عين الحبيب التي تصيب بكل سهم مصيب . و « النجل » بضم النون جمع نجلاء ، وهي العين الواسعة مع سواد . وما أحسن ذكر الأثر والرسم . وأراد بالرسم رسم ذاته يريد أن الأعين النجل من كل جميل قد محت رسمه ، وأعدمت مسماه واسمه ، ومحت وصفه ووسمه . ولا يخفى ما في البيت من إيهام الطباق في ذكر العين والأثر إذ ليس المراد بالعين هنا ما يقابل الأثر ، بل المراد بها العين التي تصيب ، وهي التي قال فيها صلى اللّه عليه وسلم : « العين حق » . وفيه المناسبة في ذكر الأثر والرسم ، والجناس في الأعين والعين ، وحاصله أنه ما أصابته عين ، ومع ذلك فإن الأعين النجل لم تدع له رسما بل محت رسمه وجعلته عدما بعد الوجود . وعلى ذكر العين فيعجبني ما حكاه شيخ الإسلام الشهاب بن علي بن حجر ، قال : بنى الملك المؤيد جامعا بمصر ، وبنى له منارة عظيمة ، فاتفق أن المنارة سقطت . فقال في ذلك شيخ الإسلام المذكور لما كان بينه وبين الشيخ العيني الحنفي من المنافرة هذين البيتين : لجامع مولانا المؤيد رونق * منارته تزهو من اللطف والزين تقول وقد مالت علينا تعجبوا * فليس على حسني أضر من العين قال ابن حجة ولم يكن العيني المذكور يحسن النظم ، فأعطى شمس الدين النواجي دراهم ، ونظم له هذين البيتين مقبحا على ابن حجر ، فقال : منارة كعروس الحسن إذ جليت * وهدمها بقضاء اللّه والقدر قالوا أصيبت بعين قلت ذا خطأ * ما آفة الهدم إلا خسة الحجر وقد أفتى ابن حجر بلزوم المؤاخذة العظيمة لقائل البيتين لكونه أنكر العين . والحال أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن العين حق » وأجيب بأن مراده إنكار كون الهدم من العين لا إنكار صحة العين من أصلها ، لأن قوله : قلت ذا خطأ أي قولكم إن هدمها من العين خطأ ، لا أن العين لا أصل لها . ( ن ) : قوله وما عثرت ، أي وجدت واطلعت . وقوله عين ، أي باصرة أو عين قلب وهي البصيرة . وقوله على أثري ، أي وجودي الذي هو أثر الوجود الحق تعالى .