الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
177
شرح ديوان ابن الفارض
وقوله لم تدع لي ، أي لم تترك لحقيقتي الظاهرة والباطنة . وقوله إلا عين النجل ، أي الواسعة ، وهي أعين المشايخ العارفين المحققين من أهل اللّه تعالى فإن أعين أبصارهم متسعة جدا فلا يخفى عليهم من عالم الملك ، وأعين بصائرهم أوسع فلا يخفى عليهم شيء في عالم الملكوت . وكونهم لم يتركوا له رسما وإنما أفنوا رسمه بالكلية بإرشادهم له ودلالتهم له إلى الحق بأقوالهم وعلو هممهم لصدقه معهم في صحبتهم وكمال توجهه إلى طلب الحق عناية من اللّه تعالى وهداية له . اه . ولي همّة تعلو إذا ما ذكرتها وروح بذكراها إذا رخصت تغلو [ المعنى ] قوله « ولي همة تعلو » تعلو من العلوّ بالعين المهملة خلاف السفل ، أي تتصف همتي بالارتفاع والعلو عند ذكري لهذه الحبيبة لأن من تأهل لذكرها ، واستحق أن يقف في موقف شكرها ، علا مقامه وتسهل مرامه وسعدت أيامه ووجب إكرامه . و « ما » بعد إذا زائدة . وروح عطف على همة ، أي ولي همة ولي روح ، فأما الهمة فإنها بذكرها تعلو بعد الاستفال ، وأما الروح فإنها وإن كانت من قسم المتاع الرخيص ، فإنها بذكرها تعد من النفيس الغالي ، فالهمة السافلة بذكرها تعود عالية ، والروح الرخيصة تعود بذكرها غالية . وفي البيت جناس التصحيف في تعلو وتغلو ، والطباق بين الرخيص والغالي . ( ن ) : قوله ولي همة تعلو ، أي إن باعث قلبه يرتفع إذا ذكر المحبوبة المكنى عنها بما مر . وقوله وروح بذكراها ، أي بذكر المحبوبة المذكورة ، ويصح رجوع الضمير إلى الروح أي بتذكرها نفسها من قبيل من عرف نفسه فقد عرف ربه . وقوله إذا رخصت ، أي إذا صارت رخيصة بغفلتها وجهلها فتغلو بذكراها . جرى حبّها مجرى دمي في مفاصلي فأصبح لي عن كلّ شغل بها شغل [ المعنى ] « جرى حبها » أي المحبوبة الحقيقية المذكورة . وقوله « مجرى دمي » أي في المجرى الذي يجري فيه دمي . وقوله « في مفاصلي » جمع مفصل ، أحد مفاصل الأعضاء . وقوله « فأصبح » الفاء تفريعية . وقوله « لي عن كل شغل » يعني من أشغال نفسي وأشغال غيري حيث لم تبق عنده نفسه لأنها ذهبت مع الذاهبين إلى اللّه تعالى ولا بقي عنده غيره ، وما بقي إلا الحق تعالى قائم بنفسه ، وقائم به كل أفعاله سبحانه والجميع أفعاله . وقوله « بها » أي لا بغيرها أي المحبوبة الحقيقية المذكورة . وقوله « شغل » أي اشتغال وذلك بالضرورة الوحدانية حيث وجد الحق بالحق فاشتغل بالحق بشغل من الحق بالحق ، فعل من أفعال الحق وقد زهق الباطل من النفس ، وغيرها .