الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
175
شرح ديوان ابن الفارض
وعنوان ما فيها لقيت وما به شقيت وفي قولي اختصرت ولم أغلو خفيت ضني حتّى لقد ضلّ عائدي وكيف ترى العوّاد من لا له ظلّ [ الاعراب والمعنى ] اعلم أن هذين البيتين مرتبط أحدهما بالآخر ، لأن قوله و « عنوان » مبتدأ مضاف إلى ما ، وخبره قوله « خفيت ضني » إلى آخر البيت ، على أن المراد لفظ البيت ، أو حاصل ما في البيت على أن المراد عنوان ما فيها لقيت ، والذي شقيت به في هواها مفهوم قولي خفيت ضني ، فالعنوان كونه خفي عن عائده عندما أراد عيادته في مرضه ، ثم استشهد على ذلك بقوله « وكيف ترى العواد شخصا لا ظل له » فيكون عدما أراد عيادته في مرضه إذ لو كان مجسما لكان له ظل ، وحاصله أنك إذا أردت أن تطلع على حقيقة حالي وما أنا فيه من جميع أحوالي ، فانظر إلى عنوانه ، واستدل بالخل على خلانه ، وإذا كان العنوان العدم الذي اضمحل به الجسد بحيث لا يشخصه أحد حتى صار كصورة مرسومة في جدار أو خط يرقم على ماء الأنهار فما بالك بما في باطن الكتاب من أنواع السقم الذي يقضي منه بالعجب العجاب . وقد قلت في مثل ذلك : سقمي يدل على حقيقة حالتي * فاقرأ كتاب العشق من عنوانه و « ما » في ما فيها لقيت وما به شقيت ، للتهويل أي الأمر العظيم الذي لا يقدر قدره ؛ ولا يستطاع حصره . وجملة قوله « وفي قولي اختصرت ولم أغلو » معترضة بين المبتدأ والخبر ، وفائدتها كمال التهويل في بيان التعليل . بقوله هذا عنوان الأحوال وعلامة الأهوال على أنه بالاختصار في تحقيق حقيقة الأسرار . وإثبات الواو في أغلو مع وجود الجازم للإشباع على حد قوله تبارك وتعالى : إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ [ يوسف : الآية 90 ] وقلت من قصيدة : خذ قصة الأشواق يا حادي السرى * إن كنت عن أهل الغرام مخيرا واقرأ صحيفة وجنتي مصفرة * تدر الغرام فمن قرأ خبري درى و « أغلو » في آخر هذا البيت بالغين المعجمة ، من قولك غلا فلان في الأمر أي اتسع فيه حتى وصل غايته ، ولذلك يقال للمبالغة في الشيء غلو . وفي البيت الذي قبله « أعلو » بالعين المهملة ، من علا يعلو إذا ارتفع ، ولذا أوقعه الشيخ في مقابلة انحطاط القدر فافهم . ( ن ) : والمعنى في ذلك أنه فنى وجوده عنه في وجد محبوبته المكنى عنها بنعم فيما تقدم ، بحيث لو ورد عليه خاطر منه يعوده في مرضه ذلك لم يجد له أثرا في الوجود أصلا فضلا عن عائد يأتيه من غيره ، وهي حالة المولهين في اللّه تعالى . اه .