الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
166
شرح ديوان ابن الفارض
( ن ) : قوله وما الصدّ الخ . يعني أن الإعراض منكم عني بحسب ظاهر الحال كما مرّ ليس هو إلا الإقبال والمحبة ، فإن سوء معاملة الرب للعبد المؤمن في الدنيا قد تكون إصلاحا في حقه . قال صلى اللّه عليه وسلم : « إذا أراد اللّه بعبده خيرا عجّل له العقوبة في الدنيا وإذا أراد اللّه بعبده الشرّ أمسك عنه حتى يوافي به يوم القيامة » . وأما إذا كان الصدّ والإعراض عن بغض وكراهة للعبد ، كان وبالا على العبد وعقابا له فأصعب البلايا سهل دون هذا الإعراض . اه . وتعذيبكم عذب لديّ وجوركم عليّ بما يقضي الهوى لكم عدل [ الاعراب والمعنى ] « وتعذيبكم » مبتدأ مضاف إلى كاف الخطاب مع ميم الجمع . و « العذب » السائغ السهل المقبول . و « لدي » متعلق بعذب ، أي هو عندي وفي اعتقادي عذب ، وإن كان الغير يراه عذابا فإني أرى الخطأ منكم عندي صوابا . « وجوركم » مبتدأ . و « عدل » خبره . و « بما » متعلق بجوركم أي جوركم عليّ بما يقضي به الهوى لكم من البعد والصدّ والإعراض عدل عندي وقيد كون العذاب عذبا وكون الجور عدلا بأن ذلك عنده وفي اعتقاده وإن اعتقدت خلاف ذلك قلوب عذاله وحساده ، وفي البيت جناس شبه الاشتقاق بين العذب والتعذيب ، والطباق بين الجور والعدل ، وفيه السجع في قوله عذب لدي وجوركم عليّ . ( ن ) : قوله وجوركم نسب الجور للأحبة على مقتضى حال المحب العاشق فإنه يجد عدم جريان المحبوب على مقتضى حاله وما يطلبه هواه من دوام الوصل جورا وظلما له من محبوب حكيم يفعل ما هو الأكمل من الأمور . وقوله عدل إنما كان جور المحبوب على محبه وظلمه له عدلا منه في حقه لأن الظلم منع الحق عن صاحبه ، ولا حق هنا للمحب على محبوبه لأن المحب هو الذي تحرّش بالمحبوب فأحبه وعشقه لما رأى حسنه وجماله والظلم أيضا وضع الشيء في غير موضعه والمحبوب حكيم يضع كل شيء في موضعه فكل حكم منه عدل وكل نقمة منه فضل . اه . وصبري صبر عنكم وعليكم أرى أبدا عندي مرارته تحلو [ المعنى ] اعلم أن الصبر باعتبار متعلقه ينقسم إلى قسمين فصبر عن الحبيب باعتبار أنه تحمل البعد عنه ، ورضي أن لا يراه ، ولا يتلذذ بلقياه ، وصبر عليه بمعنى أنه تحمل مشاق صده ورضي بما يكابده من إعراضه وبعده راضيا بما يرضاه . وإن كان في تحمله طعم الوفاة فالأوّل لا يقدر عليه العشاق والثاني يتحمله الصادق من الرفاق .