الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

160

شرح ديوان ابن الفارض

تعرّض قوم للغرام وأعرضوا بجانبهم عن صحّتي فيه واعتلّوا رضوا بالأماني وابتلوا بحظوظهم وخاضوا بحار الحبّ دعوى فما ابتلّوا فهم في السّرى لم يبرحوا من مكانهم وما ظعنوا في السّير عنه وقد كلّوا وعن مذهبي لمّا استحبّوا العمى على ال هدى حسدا من عند أنفسهم ضلّوا [ المعنى ] « التعرض » للشيء التصدّي له . وتنكير « قوم » إشارة إلى كونهم مجهولين غير معلومين . و « الغرام » العشق . قوله « وأعرضوا بجانبهم » أي صدّوا بجانبهم وجعلوا وجهة نظرهم إلى غير صحتي . « والهاء » في فيه للغرام . قوله « واعتلوا » أي ذكروا علة وسببا لإعراضهم عن صحتي بالغرام . وهو بيت عجيب وفيه معنى غريب ، والمراد من صحته في الغرام ثباته عليه ، وتصميمه على ما يبدو فيه من الأمور التي تحار فيها العقول ويذهب منها المعقول . قوله « رضوا بالأماني » هي جمع أمنية ، وهي ما يتمناه الإنسان ويطلبه وقد يعتل الإنسان بالأماني ، ويشغل فكره عن تحصيل المطالب والمعاني بترتيب المقاصد والأماني . قوله « وابتلوا بحظوظهم » أي صارت حظوظهم من الدنيا بلاء عليهم . والحظوظ جمع حظ وهو النصيب من الخير أو مطلق النصيب . قوله « دعوى » اعلم أن الدعوى شاعت فيما بين القوم في ادّعاء الأمر المكذوب الذي لا أصل له ، وهي هنا بهذا المعنى لأن المراد وصف قوم ادّعوا المحبة من غير دليل . ورضوا من الوصال بالخيال فالأماني تخيل لهم الوصال وهم في الانقطاع ودعواهم تقرر لهم الأمن وهم في الارتياع ، وتراهم في السرى وما فارقوا ويتخيلون أنهم ظعنوا مع بعدهم عن الأظعان والعجب أنهم تعبوا وما ساروا وشكوا طول الطريق وهم في الحيرة قد داروا . قوله « فهم في السرى » أي هم دائما في السرى ، ولكن ليل نفوسهم أضلهم عن الطريق ، وأبعدهم عن مشاهدة الرفيق ، فتراهم يجدّون وهم يرجعون إلى الوراء كأنهم حائرون في التيه لا ينفعهم النصح ولا التنبيه ، وكلما ساروا شبرا رجعوا في السير ميلا ، وحيثما تقدموا طالبين رفيقا فقدوا دليلا . فقد وصلوا إلى مرتبة التعب والكلال وهم في الحيرة والضلال . قوله « وعن مذهبي » متعلق بقوله ضلوا أي وضلوا عن مذهبي . « لما استحبوا العمى على الهدى حسدا من عند أنفسهم » أي مجرد حسد صادر من أنفسهم من غير دليل ولا بيان ولا طريق ولا برهان ، فلو تركوا حسدهم ورجعوا عن إضلال نفوسهم لاهتدوا إلى المرام ووصلوا إلى المقصود بسلام . الإعراب : قوله بجانبهم : متعلق بأعرضوا وعن صحتي كذلك ، وفيه متعلق بصحتي . واعتلوا : معطوف على أعرضوا . وقوله وابتلوا : ينبغي أن يضبط ابتلوا مبنيا للمجهول بوصل الهمزة وسكون الباء وضم التاء مع ضم اللام ، أي ابتلاهم اللّه تعالى