الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
161
شرح ديوان ابن الفارض
بحظوظ الدنيا فقنعوا منها بالعرض الأدنى . قوله دعوى : منصوب على أنه علة لخاضوا . وقوله فما ابتلوا : بسكون الباء وفتح التاء وضم اللام المشدّدة . وهم : مبتدأ والفاء فيها للتفريع على ما قبلها من البيتين . وقوله في السرى : خبر . ولم يبرحوا : خبر بعد خبر . ويبرحوا : هنا تامة . إذ المراد لم يزولوا عن مكانهم . ويجوز أن تكون ناقصة والواو اسمها ، ومن مكانهم خبرها . وعنه : متعلق بضلوا . قوله وعن مذهبي : متعلق بضلوا ، أي ضلوا عن مذهبي لما استحبوا العمى على الهدى . ومقابلة العمى بالهدى دليل على أن المراد العمى المعنوي الذي هو بمعنى الضلال . قوله حسدا : تعليل لقوله استحبوا . وفي استحبوا : تضمين معنى رجحوا أو معنى اختاروا . وقوله من عند أنفسهم : إشارة إلى أنهم اتبعوا أمرا ما أخذوه عن سلف ، ولا دلهم عليه مرشد أو مسلك ، وإنما هو شيء دلتهم عليه أنفسهم الغاوية حتى تردّوا بسببه في الهاوية . ( ن ) : نكر القوم لتنكير أحوالهم عليهم ، وتحقيرا لهم لكذبهم وافترائهم . قوله للغرام ، أي للعشق الإلهي واللام للعهد ، وقوله عن صحتي ، أي موافقتي للحق والصواب ، يعني أن هؤلاء القوم المذكورين تصدوا لدعوى العشق الرباني معرضين عن منهج الصواب متصدين لمجرد الدعاوى الكاذبة . لبست عليهم أنفسهم أنهم عرفوا اللّه تعالى المعرفة الذوقية ، فأحبوه سبحانه ولا يحبه تعالى إلا عارفه المعرفة الذوقية . وسبب ذلك ما سبق في الأبيات قبله أن سبب المعرفة الذوقية الفناء والاضمحلال بالكلية في وجود الحضرة الإلهية ، وسبب الفناء المذكور الموت الاختياري ، فمن لم يمت لم يفن ومن لم يفن لم يعرف الوجود الحق سبحانه المعرفة الذوقية ، ومن لم يعرفه المعرفة الذوقية لم يحبه تعالى فمحبته بالفناء في وجوده ، وهؤلاء لم يموتوا الموت الاختياري فلم يفنوا عن دعاوى وجودهم في وجود ربهم الحق فلم يعرفوه تعالى المعرفة الذوقية فلم يحبوه ، وقد ادعوا محبته كذبا وبهتانا وقوله واعتلوا ، أي دخلوا في العلل النفسانية والأغراض الشهوانية . قوله رضوا بالأماني يعني قنعوا من المعرفة الإلهية الذوقية بتمني نفوسهم لها واطمأنت قلوبهم على ما يجدونه عندهم من المحالات . وقوله وابتلوا ، أي ابتلاهم اللّه تعالى . وقوله دعوى ، أي أن خوضهم بحار الحب مجرد دعوى نفسانية ، وزعم منهم أن حالهم كذلك أخذا من كتب أهل المعارف وحفظا من كلمات أولي التحقيق يتلقنون الكلمة والكلمتين من كلام أهل اللّه تعالى ثم يدعون وجدانها ، ويظنون أن فهمها وجدانها كمن ينظر إلى غيره وهو يأكل الحامض فيتلمظ هو من الحموضة متوهما أنه ذائق لذلك وليس في فمه شيء .