الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
156
شرح ديوان ابن الفارض
يكرّر هذه المعاني على أساليب مختلفة . قال في التائية الكبرى : هو الحب إن لم تقض لم تقض مأربا * من الحب فاختر ذاك أو خل خلتي وجانب جناب الوصل هيهات لم يكن * وأنت حييّ إن تكن صادقا مت و « تحيا » بفتح التاء من باب علم يعلم ، وقوله « شهيدا » حال من فاعل مت ، واعلم أن الشهداء على ثلاثة أقسام : الأوّل شهيد الدنيا والآخرة ، وهو من قتل في معركة الكفار ، وكان قصده بقتاله أن تكون كلمة اللّه هي العليا ، فأمّا كونه شهيد الدنيا فمعناه أنه لا يغسّل ولا يصلّى عليه ، وأمّا كونه شهيد الآخرة فمعناه أنه يلقى مراتب الشهداء ، الثاني شهيد الآخرة فقط ، وهو من مات حريقا أو مات غريقا أو قتل ظلما أو مات مبطونا أو مطعونا ، وكذا من مات عشقا أو بالطلق . الثالث شهيد الدنيا فقط وهو من مات في حال القتال « 1 » ، ولم يبق فيه حياة مستقرّة بسبب قتال الكفار ، وبدأ به بسلاحه وسلاح مسلم خطأ أو جهل السبب ، فإن بقيت فيه حياة مستقرّة فلا وإن قطع بموته . فإن قلت لم سمي الشهيد شهيدا قلت لأن اللّه ورسوله شهدا له بالجنة ، أو لأنّ ملائكة الرحمة تشهده ، أو لأنّ اللّه تبارك وتعالى وملائكته شهود له بالجنة ، أو لأنه ممن يستشهد يوم القيامة على الأمم الخالية ، أو لسقوطه على الشاهدة أي الأرض ، أو لأنه حاضر عند ربه حي ، أو أنه يشهد ملكوت اللّه تعالى وملكه . قوله « وإلا » أصله أن لا فإن هي الشرطية ، ولا هي النافية وفعل الشرط محذوف تقديره ولا تمت في حبه . « فالغرام » له أهل يموتون فيه فالمعنى إن كنت تريد الحياة السعيدة فاجعل نفسك بقتل المحبة شهيدة ، وإن كنت تريد المورد السهل ، فعرّج فإنّ الغرام له أهل ، فهم في حياتهم به يموتون وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ( 169 ) [ آل عمران : الآية 169 ] قوله « فمن لم يمت في حبه لم يعش به » لا يظهر للضمير في قوله في حبه مرجع سوى أن نقول إنه راجع إلى الحبيب المفهوم من المقام ، ويجوز أن يرجع إلى الهوى على سبيل المبالغة ، لأن القوم صرّحوا بأنّ من جملة مقامات العشاق مقاما يقال فيه حب الحب ولب اللب . وقد تكلم على هذا المقام الشيخ العارف بربه مولانا عبد الرحمن الجامي في كتابه المسمى بنفحات الأنس . قوله « ودون اجتناء النحل » اعلم أنّ الاجتناء هنا عبارة عن إخراج أقراص العسل من مواضعها ، فيكون في التركيب مضاف محذوف أي دون اجتناء عسل النحل ، أي قبل أن تصل إلى عسل النحل في خلاياه لا بدّ أن تصيبك
--> ( 1 ) قوله : وهو من مات في حال القتال الخ . هذه العبارة غير ظاهرة فلتحرّر . اه .