الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
157
شرح ديوان ابن الفارض
جناية النحل وأذاه ، وذلك لأن القرص قبل حصول القرص ، والجناية قبل الاجتناء ، فمن لم يوطن نفسه على المرارة لا يصل إلى ذوق الحلاوة ، وقد نطق بذلك المتنبي حيث قال : تريدين لقيان المعالي رخيصة * ولا بدّ دون الشهد من إبر النحل قوله « تمسك بأذيال الهوى واخلع الحيا » أمر بما هو عنده مقبول ، وعلى العين والرأس محمول ، من إظهار دعوى المحبة والتمسك بأسبابها ، فإن التمسك بالأذيال عبارة عن كمال الملازمة ونهاية المقاربة ، فهو ضرب من الكناية ، وأما خلع الحياء فهو عبارة عن طرح أسبابه وخلع أثوابه وإظهار التهتك وإخفاء الوقار وإظهار الخلاعة بترك الأستار ، فإن قلت الحياء مطلوب وهو معدود من شعب الإيمان ، فكيف ساغ للشيخ أن يأمر بخلعه ، قلت لا شبهة في أنّ هوى الشيخ وأمثاله مطلوب مرغوب ، وصاحبه ملسوب بحية الغرام وليس بمسلوب . فيكون المعنى حينئذ اخلع الحياء الداعي إلى ترك هذا الهوى ، فإن هوانا وإن جلب هوانا ، فهو لدينا مقبول وعلى العينين والرأس محمول ، وكيف لا يكون كذلك ومن سلك هذه المسالك فقد ارتقى من الأثر إلى العين وفاز بسعادة الدارين ، ولا شك أن الهوى المقبول معدود عندهم من أسباب الوصول . قوله « وخل » أي اترك واطرح . و « السبيل » الطريق ويجوز فيه التذكير والتأنيث . و « الناسكون » العابدون . قوله « وإن جلوا » إن هنا وصلية وأمثالها تذكر لمجرّد التأكيد لا للشرط ، ومن ثم لا تحتاج إلى جواب . و « جلوا » ماض مسند إلى ضمير الناسكين ، وهو من الجلالة بمعنى العظمة ، فكأنه قال : اترك طرائق العابدين الذين لا سلوك لهم في طريق المحبة ، وإن كانوا أجلاء فلا تتبع طريقهم ولا تعاشر فريقهم . قوله « وقل لقتيل الحب وفيت حقه » أي قل أيها المخاطب لمن قتل في الغرام وفيت حقه بتاء مفتوحة للمفرد المخاطب المذكر ، أي قل أنت وفيت حق الحب بسبب أنك قتلت في معركة شهداء المحبة فعلم من ذلك أن حق الحب الموت في رضا الحبيب . وإن لم يحصل له من الوصال حظ ولا نصيب . قوله « وللمدّعي هيهات ما الكحل الكحل » أي قل للمدّعي الذي لم يمت في طريق المحبة ، وما أحسن ما أفاده رضي اللّه عنه ، من أن من لم يمت في الحب فهو مدّع وكل مدّع كذاب ، فمن مات في هواه صدق في دعواه ، ومن استمرّ حيّا مع دعوى الحب فهو كذاب ، وليس معدودا في الحقيقة من أولي الألباب . قوله « هيهات ما الكحل الكحل » من مقول القول أيضا بمقتضى العطف إذ المراد وقل للمدّعي الذي ينطق بلسانه ، ولا يوافق باعتقاد جنانه ، هيهات قد بعد عنك الوصول ونأى عنك القبول ، فإن التكحل المصنوع