الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
155
شرح ديوان ابن الفارض
يحلو صلة ما والفاعل هو العائد . والمراد من قوله ما يحلو الحلاوة المعنوية ، وهي عبارة عن الرضا بالشيء ، وقد توهم بعضهم أنّ في البيت رجوعا حيث قال : نصحتك علما بالهوى ، وقال بعده : والذي أرى مخالفتي : فقد رجع عن الذي قرّره ويظهر لي أنه لا رجوع في البيت لأنّ كلا من الحكمين على طريق خاص وأسلوب معين ، فالنصيحة على أسلوب عامّة الناس في الرغبة عن المضرّة ، والذي اختاره هو ما يخصه ويختاره ، وقد ضمن بعضهم المصراع فيما يتعلق بالقهوة البنية حيث قال : فقلت على ما قد حوت من مرارة * رضيت بها فاختر لنفسك ما يحلو ( ن ) : الخطاب للسالك ، وقوله علما ، يعني أنه صار عالما بالهوى بعد أن كان جاهلا به . وقوله والذي أرى ، أي أعتقد . وقوله مخالفتي ، أي قولي لك فاسلم بالحشا الخ . وقوله : عش خاليا ، يعني الرأي عندي والاعتقاد أن تخالفني فيما نصحتك به من ترك الهوى ، فإن الهوى سم ودرياق ، فمن أحب وعشق طالبا للوصول إلى الصور الفانية فهو عليه سم ، ومن أحب وعشق طالبا للوصول إلى المصوّر الباقي فهو له درياق من سم الأغيار ، ولما كان الهوى يطيب ويخبث على حسب المهوي به ، نصح فيه ورجع عن نصحه يستكمله ويستوفيه . ثم قال فاختر لنفسك ما يحلو ، فإن اخترت الهوى فاحترز من قبائحه وتجنب عن فضائحه ، وإن أعرضت عنه فارض أن تكون مع الخوالف ولا تخض المتالف . اه . فإن شئت أن تحيا سعيدا فمت به شهيدا وإلّا فالغرام له أهل فمن لم يمت في حبّه لم يعش به ودون اجتناء النّحل ما جنت النحل تمسّك بأذيال الهوى واخلع الحيا وخلّ سبيل النّاسكين وإن جلّوا وقل لقتيل الحبّ وفّيت حقّه وللمدّعي هيهات ما الكحل الكحل [ الاعراب والمعنى ] اعلم أنّ هذه الأبيات متعلقة برأي الشيخ في اتباع الهوى وترك الاعتناء بما عليه العامّة ، قوله « فإن شئت أن تحيا سعيدا » استئناف مبني على رأي الشيخ ، وما أحسن قوله « فإن شئت أن تحيا سعيدا فمت » كما قال الأوّل : موت النفوس حياتها * من رام أن يحيا يموت وكلامه رضي اللّه عنه مبني على القواعد الشرعية لأن الشهداء لا يموتون وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ( 169 ) [ آل عمران : الآية 169 ] وكلامه في البيت الأوّل إشارة إلى قوله صلى اللّه عليه وسلم : « موتوا قبل أن تموتوا » والشيخ