الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
149
شرح ديوان ابن الفارض
وفي البيت الجناس في روح وراحة ، والطباق بين البذل والغلو . ( ن ) : قوله الغال ، كناية عن روحه التي بذلها . وقوله في الغالي ، أي في محبة المحبوب الغالي على قلوب العاشقين ، وهو ذو الخال الذي تقدّم ذكره ، وفاح في فلوات المعاني نشره . اه . فجاد ولكن بالبعاد لشقوتي فيا خيبة المسعى وضيعة آمالي [ الاعراب والمعنى ] قوله « فجاد ولكن بالبعاد » من باب القول بالموجب كقول الأرّجاني : ثم قالت أنت عندي في الهوى * مثل عيني صدقت لكن سقاما فإن قوله « جاد » يوهم أنّ المراد فجاد براحة القرب كما بذلت له روحي فبيّن أنّ المراد ضده بقوله « ولكن بالبعاد » . و « الشقوة » بكسر الشين وسكون القاف الشقاوة خلاف السعادة ، وأظهر التأسف لعدم حصول مطلوبه ، بقوله « فيا خيبة المسعى » بنصب الخيبة والضيعة ، فالأولى مضافة إلى المسعى ، والثانية مضافة إلى الآمال فيقول بذلت الروح طلبا لطيب القرب الذي يفوح ولبدر الوصال الذي يلوح فجاد بخلاف المراد ، وأبعد القرب وقرب البعاد ، فيا ضيعة الآمال وخراب الأعمال ويا طول الأسف وقرب اللهف . وحان له حيني على غرّة ولم أدر أنّ الآل يذهب بالآل [ الاعراب والمعنى ] « حان » قرب . و « حيني » بفتح الحاء بمعنى الهلاك . و « حين » الثاني بكسر الحاء بمعنى الوقت . و « غرّة » بكسر الغين المعجمة بمعنى الاغترار بالشيء والانخداع به ، ولم يكن على حقيقة كما يرى الإنسان الآل في وقت الهجيرة فيظنه ماء . وأما « الآل » فإنه وضع في كلام العرب لمعان منها السراب ومنها الأقارب ومنها الشخص والذات . والمراد من الأوّل الغرة التي هي الاغترار بالشيء والانخداع به من غير أن تكون له حقيقة في نفس الأمر كما يرى الآل ويظن ماء وليس به ، والآل الثاني بمعنى الذات ، والمعنى قرب موتي وذهبت ذاتي على حين الاغترار ، وما كنت أظن أن الآل الذي لا حقيقة له يذهب بالذات ويكون سببا للهلاك . ففي البيت الجناس المحرف بين حين وحين ، والجناس التام في الآل والآل . ( ن ) : قوله له ، أي لأجله ، والضمير للمحبوب ذي الخال المذكور سابقا ، وقوله الآل ، أي السراب كناية عن عالم الأكوان المكنى به عما سبق من السلسال كما قدّمناه ، فإن المحب الإلهي إذا تحقق بمعرفة الحق تعالى يتعلق بذلك من حيث صدوره عن الحق تعالى وهو ليس بشيء ، لأن كل شيء هالك إلا وجهه تعالى أي