الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
119
شرح ديوان ابن الفارض
أيها الحادي أترك عيس النفوس تشرب وتزيل عطشها من ماء المطر الذي هو ماء الإلهام الرباني الذي يقع على الأرض الجسمانية المنخفضة والهوة الترابية الطبيعية . وفي نسخة أخرى خلها ترتعي ثمام الوهاد فيكون المعنى أتركها يا أيها الحادي تستعمل ما تجده من كثائف المعاني وزخارف العرض الفاني . اه . شفّها الوجد إن عدمت رواها فاسقها الوخد من جفار المهاد واستبقها واستبقها فهي ممّا تترامى به إلى خير وادي [ الاعراب والمعنى ] « شفها الوجد » أي هزلها . و « رواها » يجوز في الراء الكسر والفتح قال في القاموس وماء روى ورواء كإلى وسماء كثير مرو . واعلم أن المشهور في الرواية أن يكون الوجد الأوّل بالجيم والدال على أن المراد وجد المحبة وحزنها . والثاني « الوخد » بالخاء المعجمة على أن المراد به السير بالإسراع للبعير وأن يرمي قوائمه كمشي النعام . و « جفار » بالجيم والفاء والراء على وزن كتاب جمع جفرة وهي عبارة عن سعة في الأرض مستديرة . و « المهاد » بكسر الميم أرض موطأة ممهدة شبيهة بالبساط الذي استوى سطحه فالمراد وصف هذه الإبل بأنها قد هزلها الحب وتذكر ما تروم زيارته فإن عدمت ما ترويها به فاسقها الوخد أي السير المعلوم من الأرض الواسعة المستديرة أي اجعل السير لها مكان الماء يرويها المهاد . وقد يروى الأول « وخد » بالخاء المعجمة والثاني وجد بالجيم وهو صحيح إذا قطعت النظر عن قوله « من جفار المهاد » فإنه يوجب الأسلوب الأول . ولا يخفى ما في البيت من الوخد والوجد ومن شفها واسقها . قوله « واستبقها » أي سابقها لتنظر رتبتها في السبق . قوله « واستبقها » أي لا تفرط فيها بأن تجور عليها في المسابقة فربما يخشى عليها التلاف من ذلك . وقوله استبقها من البقاء أي أطلب بقاءها بالترفيه والملاطفة في المسابقة . قوله « فهي مما تترامى به إلى خير وادي » يريد تعليل قوله واستبقها كأنه يقول ما طلبت منك استبقاء هذه العيس إلا لكونها إلى خير وادي والمراد من « خير وادي » هنا مكة المعظمة شرفها اللّه تعالى أي فهي من السير التي تتسابق فيه سائرة إلى خير وادي فحقها أن تستبقى يقال ترامت الإبل بفلان إذا كانت تتسابق في رميه وترامت في السير إذا تسابقت فيه . ولا يخفى الجناس في قوله واستبقها واستبقها . وقد شرع في مخاطبة الحادي فقال : ( ن ) : قوله إن عدمت رواها ، يعني إن عدمت ما ترويها به من الماء بمعنى العلم الإلهي لعدم استعدادها لقبوله . فاسقها الوخد وهو كناية عن المجاهدة في الحق