الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
107
شرح ديوان ابن الفارض
وحاصله أن الاغتراب مع كونه سبب الحزن والاكتئاب ، ينفي علمه عن صاحبه ولا يشعر به المغترب من جميع جوانبه إذا كان مصاحبا للحبيب نازلا بالمنزل القريب فالقريب مع بعد الحبيب غريب والغريب مع قربه حبيب . ( ن ) : المعنى أنه لا يعرف ما هي الغربة عن الأوطان لإعراضه عن كل ما سوى المتجلي الحق في جميع الأكوان وإنما يدرك ذل الغربة ومشقتها الغائب عنه تعالى الحاضر مع الأشياء في الأماكن والأزمان وفي الحديث حب الوطن من الإيمان وأول الأوطان حضرة العلم الإلهي القديم ثم حضرة الإرادة الربانية ثم حضرة الكلام النفساني القديم ثم حضرة القلم الأعلى واللوح المحفوظ إلى أن يظهر الكائن في عالم الدنيا فيكون غريبا عن أوطانه فإذا شهد الحق تعالى الغائب عنه بالذات وهو حاضر بالأسماء والصفات في أنواع التجليات لم يدر ما غربة أوطانه في جميع أزمانه . وقوله وهو معي ، أي ذلك المكنى عنه بالرشأ فيما سبق من الكلام معي لا يفارقني على كل حال لأنه وجودي الحق الذي أنا به موجود مع أني باطل معدوم محال قال تعالى : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [ الحديد : الآية 4 ] فالأبنية والكونية لنا لا له تعالى وإنما له المعية فقط وهي الظهور بالوجود في مراتب الحدود . وقوله غير منزعج ، أي غير متألم بفراق من أحبه أو بعد ما بيني وبينه لأني أشهده ظاهرا متجليا في جميع الأكوان بالوجود الحق في باطل الأعيان . اه . فالدّار داري وحبّي حاضر ومتى بدا فمنعرج الجرعاء منعرجي [ الاعراب والمعنى ] « الفاء » تدل على أن ما بعدها متفرع عن الذي قبلها فهو يقول حيث كان حبيبي مصاحبي وبوجوده تنتفي غربة الأوطان فقد ثبت أن الدار التي ليست لي تصير بوجوده دار أهلي ومحل وطني إذ الحزن من بعده يكون والفرح بوجوده يتوفر للفؤاد المحزون . فالدار داري وحبي حاضر بأوطاني جالب لأوطاري . و « الحب » هنا بكسر الحاء بمعنى المحبوب . و « متى » هنا شرطية . و « بدا » بمعنى ظهر . و « المنعرج » هنا بضم الميم وسكون النون وفتح الراء على صيغة اسم المفعول والمراد به هنا اسم المكان أي موضع تعريج الأحباب في الجرعاء ومكان اجتماعهم في هاتيك الصحراء هو مكان انعراجي المعهود هناك وبه أراك في شجر الأراك حيث يجتنى السواك ولا نطلب سواك كما قال : باللّه إن جزت بوادي الأراك * وقبلت أغصانه الخضر فاك فابعث إلى المملوك من بعضها * فإنني واللّه ما لي سواك